فلاحیتي
أبو پریسا (3)

 

لا مفر لديك من أبي پریسا، أينما اتجهت ستجده، فهو إما أن يكون من أقربائك وإما أن يكون زميلا في محل عملك، وإما أن تصابحه وتماسيه وهو جارك، وإما أن تراه  مدعوًا في مناسبة تكون أنت قد دعيت فيها أيضًا. ليس لديك بد من أن تراه وتسمع وجهة نظره.

 اليوم عندما التقيت به صافحته بحفاوة وحاولت أن أتباحث معه حول لغة ابنته هيفاء التي تبلغ من العمر عشر سنوات حاملا في جعبتي اقتراحًا جديدًا ظننته سيقنعه؛ ثم كنت سأوصيه أن تتابع ابنته قناتي جيم (الجزيرة للأطفال سابقا) وبراعم اللتين أوصيت معظم أصدقائي أن يتابعهما أطفالهم لالتزامهما بحـبـيـبـتنا الضاد.

 لكنه وبعد أن سمع اقتراحي طرح قضايا خطيرة جدًا بدا لي أنه متبعد منا إلى أقصى حدود البعد، ما يتطلب مني أن أبذل قصارى جهودي لاسترجاعه.

 ولكي تعرفوا مدى عمق الحفرة التي واقع فيها وصعوبة نجدته من دهاليزها، إليكم ما دار بيني وبينه من حديث:

 قدمت له تمرتين من التمر الذي أحمله كل يوم في حقيبتي وخاطبته في رفق:

 دعك يا أبا هيفاء من القومية والعروبة، ما رأيك أن تعلم ابنتك بدل اللغة الواحدة، لغتين؟

 لقد علمتها الفارسية، هذا جيد؛ من الآن فصاعدًا، علمها لغة ثانية. أنت وزوجتك عربيان وتتكلمان العربية بطلاقة، فحاولا أن تتكلما معها بلغتكما في البيت، ولا شك أنها ستتعلمها بكل سهولة.

 أجابني بلا اكتراث:

 وما جدوى العربية ونحن نعيش في إيران؟!

 قلت له مغيرًا نبرتي:

 وكأنك تعيش في طهران! لا تنس أنك عربي تقطن في بلد عربي، سكانه عرب.

 تابع بتحد:

 عن أي بلد عربي تتكلم ومدارسنا فارسية، دوائرنا فارسية، اللغة الرسمية فارسية، ولهذا علينا أن نعلم أبناءنا هذه اللغة حتى لا تبقى في لسانهم لهجة عربية تؤثر سلبًا على لهجتهم الفارسية.

 ثم تابع حديثه بحماس:

 ما فائدة العربية وكل الأهوازيين يفهمونك إن تكلمت بالفارسية، تعلم لغة إن لم تتقنها واجهت مشكلة، فأية مشكلة ستواجه ابنتي إن لن تتعلم العربية؟!

 لو أنك اقترحت علي أن أعلمها الإنكليسية لكان اقتراحك مقبولا ومنطقيًا، لأن الإنكليسية لغة سوف تحتاجها هيفاء في الإنترنت، في الجامعة، هي لغة عالمية ولها أهميتها في الحياة؛ أما العربية فلا جدوى منها ونحن نعيش هنا يفهمنا (لو تكلمنا بالفارسية) جميع الذين يحيطون بنا.

 قلت في شيء من العنف:

 ولكن هذه لغتك ولغة آبائك، هذه لغة كتاب الله، لغة أهل الجنة!

 هز رأسه بعناد وقال:

  ابق بعيدًا من العصبية، كلنا مسلمون، وسوف يدخل الجنة من كان مؤمنًا تقيًا، لا من كان يتكلم باللغة العربية.

 ثم هز رأسه ضاحكًا وتابع في شيء من السخرية:

 وكأن العرب الذين يتكلمون العربية ممسكون القرآن ويقرؤونه ليلا نهارًا!

 هدأت من روعي وخاطبته بكل هدوء:

 أنت عربي والعرب ...

 قاطعني مستهزئًا:

 عن أي عرب تتكلم: العرب الذين كنت تظنهم متحضرين متقدمين باتوا يقتلون شعوبهم بالطائرات والصواريخ ويتقاتلون فيما بينهم، انظر إلى سوريا وما يفعله بشار الأسد بشعبه!

 انظر إلى العراق واحصي الموتى الذين يسقطون في كل يوم على أيدي إخوتهم العراقيين وغير العراقيين من العرب!

 انظر إلى اليمن وليبيا واحكم على حالهم بعد ربيعهم العربي!

 انظر إلى مصر ...

 قاطعته بضيق:

 لقد دمر براعم الربيع من ضيعوا أنفسهم وباعوا قيمهم ولم يهتموا بعروبتهم وتراثهم وثقافتهم.

 قال وهو يبتعد:

 امرأتي حامل، سوف نسمي ابنتنا الثانية (آزيتا).

 أخشى أن ما قاله أبو پریسا إنما قاله عن قناعة تامة!

 وبصراحة بدأ كلامه يقلقني، ولقد حرت أشد الحيرة في أمره!

 ابتعد عني وهو يخطو بخطوات متسارعة،

 وأنا أنظر إلى نجمة عالية، أمد يدي نحوها لألمسها... تتلامع وكأنها تبتسم. 

 

سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي
 

 

مريض أم ماذا؟

 

 

وأنا أتمشى مع زوجتي في السوق، صافحني أحد الذين كنت أعرفهم منذ أكثر من عشر سنوات، ثم حضنني وقبل كتفي أكثر من مرة.

 تذكرته جيدًا، كان يحضر أحد المجالس وقد تعرفته إليه هناك.

 وجدت ملامحه قد تغيرت كثيرًا، وأنه ليس ذاك الشاب العربي ذا الوقار والاحترام.

 وأول ما تبادر في ذهني أنه قد يكون ابتلي بمرض خبيث سبب له هذه النحافة التي تكاد أن تفتك به في أقرب مقبرة.

 سألني أن أسلفه خمسين ألف ريال على أن يسددها لي يوم غد، والخمسون ألفا مبلغ زهيد جدا. (لا تضاه الريال الإيراني بالريال السعودي).

 أخرجت محفظتي في الحال وقدمت له المبلغ، بل ومسكت محفظتي مفتوحة أمامه وقلت له: خذ ما تشاء.

 لكنه اكتفى بالخمسين ألفا وودعني بسرعة وذهب.

 خاطبتني أم شروق لائمة: يبدو على صديقك أنه مريض، فلماذا لم تعطه أكثر؟

 رأيته وبالصدفة بعد أشهر، وقد اشتد به الهزال، خاطبني بلغة الخجول:

 لقد بحثت عنك كثيرًا لأرد لك سلفك، لكني لم أجدك؛ والآن لا أحمل معي محفظة نقودي، فخذ هذا القفل وبعه، يحتاج لتصليح بسيط!

 وقدم لي قفلا يغطيه الصدأ من كل جانب لا أدري في أية سلة مهملات وجده.

 تأوهت مازحًا: وأين مفتاحه؟!

 قال جادًا: المصلح سيحل لك مشكلة المفتاح أيضًا.

 تبين لي أن الرجل مبتل بمصيبة الإدمان، هذا المرض الخبيث الذي ما أصاب شخصًا إلا وهلكه وشتت شمله وحوّله إلى كذاب مجرم خطير.

 غرقت في صمت كئيب، ولاذ هو الثاني بصمت طويل، ثم أطرق ثم نظر إليّ نظرة حزين ما انفك حزنها يتتبع لحظات فرحي ليغتالها. 

 ولا أدري إلى أية جهة ألقي اللوم وليس بيدي حيلة غيره؟

 هل ألوم المدمن نفسه على بساطته وضعف شخصيته وقد دمر حياته وحياة أسرته؟

 أو ألوم المسؤولين المتهاونين مع بائعي المخدرات وقد أصبحوا يتاجرون في العلن يعرفهم القاصي والداني؟  

 أو ألوم المثقف لقلة علاقاته بالمجتمع وأنه لم يؤد واجبه التوعوي تجاه شعبه كما ينبغي؟  ألوم من؟



المدون فلاحيتي

ومضات (3)

 http://s5.picofile.com/file/8143367434/Screenshot_%DB%B2%DB%B0%DB%B1%DB%B4_%DB%B0%DB%B9_%DB%B2%DB%B8_%DB%B1%DB%B6_%DB%B4%DB%B8_%DB%B2%DB%B2.png

1

تمييز

 

الجرافات تجد طريقها إلى البيوت التي يجب أن تهدم بكل سهولة،

دائمًا ينبعث منها النور.

 

2

تنقية

 

ذبحوا جميع الديكة إلا واحدًا،

 

كان صوت صياحه الأعلى.

 

3

النهار

دون أن يشهر سيفه، أخاف الكثير من البوم والخفافيش والسراق.

 

4

بائع الجمار

لكي تستمر حياة أطفاله، قتل فسائلها.

 

5

أشل

فاضت روحها ...مات جسده.

 

 

سعيد مقدم (أبو شروق)

 

 

 



المدون فلاحيتي

أبو پريسا

 

تشكّى من قلة الحصة البنزينية التي حصصتها الدولة منذ أن حكم البلاد محمود أحمدي نجاد، وقال أن الحصة الشهرية لا تكفيه لأسبوع واحد.

 ثم وكأنه ندم على ما قال:

لكن الدولة على حق، لديها مسؤوليات كثيرة، عليها أن تنفق في مجالات عدة: التعليم، الصحة، التنمية ...

 ثم أراد أن يصدّق كلامه فسألني:

أليس كذلك؟

 أجبته: نعم يا أبا پريسا.

 نظر نحوي مستغربًا ثم قال مصححًا: بل أبو هيفاء.

 لم أقل شيئا، ودعته ومشيت.

 كنا قبل عشرة أعوام أصدقاء، وحين رزقه الله ببنت استشارني في اختيار اسم عربي جميل لها، فاقترحت اسم (هيفاء).

 لكني فوجئت أنها تتراطن بالفارسية ولا تجيد لغة اسمها (هيفاء).

 فصُدمت ثم ندمت على اقتراحي آنذاك وغيرت ذلك الاسم العربي الجميل إلى اسم ثان يناسب لغتها الجديدة، اسم (پريسا).

 ألست على صواب؟

 

سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

 

 

۱

 

اللقيط

رسم غصنًا بلا شجرة، احتار كيف يسقيه.

 

۲

 

المشانق

رافعات الأثقال لا تشيل خفيفي الأوزان، ترفع من كان له ثقل.

 

 

۳

 

إنتاج

زرعت شعاعًا، أثمر لي دائرة.

 

۴

 

بُعد

الشيخ الذي يوعظ الشباب العزب بالعفة ... البارحة تزوج الرابعة.

 

۵

 

تصحيح

لم يعض إصبعه من ندم ...عض لسانه الثرثار.

 

سعيد مقدم (أبو شروق)

 

 



المدون فلاحيتي
 

كنت مسافراً

 

 

جميل أن تخرج من مدينتك مسافراً تتجول في بعض المدن البعيدة.

 

ولقد سافرت وأسرتي إلى بعضها لمدة سبعة أيام.

 

اتجهنا إلى خرم آباد ثم إلى بروجرد وبعدها إلى ملاير ثم همدان ثم رجعنا إلى تويسركان ومنها إلى ملاير وطوينا نفس الطريق إلى البيت.

 

وكانت الجبال تحيطنا طيلة سفرنا، ندخل في نفق ونخرج من آخر! نصعد جبلا بسرعة منخفضة ثم ننزل وكأننا نسقط من الأعالي!

 

ننعطف، ندور، نطوفها مرات والسرعة منخفضة لا تبلغ الخمسين. وكنا نتلوا (وإذا الجبال نسفت)؛ سبحان الله القادر، كيف ينسف هذه الجبال العملاقة؟!

 

كان رأيي أن نستأجر بيتاً أو نسكن في فندق، إلا أنني تفاجأت باعتراض الجميع (زوجتي وأبنائي) قائلين:

 

خرجنا من أربعة حيطان لنسكن في أربعة حيطان أخر!

 

فكان رأي الجميع أن نشتري خيمة ونسكن في الهواء الطلق، أي في الحدائق العامة، ففعلنا.

 

ولم نكن الوحيدين الذين يستريحون في خيامهم في الحدائق العامة، فكانت هناك العشرات بل المئات من الخيام وهي ملتصقة خيمة بخيمة من كثرة المسافرين،

 

وكانت الفكرة رائعة.                                        

 

مكثنا في بروجرد في حديقة عامة تسمى ( بارك يادبود ) وفي همدان في حديقة تسمى ( نونا بارك ) وهما الحديقتان الأكثر شهرة للمسافرين.

 

وما أجمل أن تجاور كل ليلة جارين جديدين، على يسارك جار وعلى يمينك آخر. جيران من مدن مختلفة، بثقافات مختلفة، بلغات مختلفة، وكانت اللغة الفارسية هي

 

اللغة المشتركة بيننا. والعجيب أننا لم نر العرب في سفرنا! ويبدو أنهم لا يسافرون إلى هذه المدن كثيرًا، فأقترح عليهم إن سافروا  جعلوا مدناً كـ همدان في قائمة

 

بلدانهم التي يزورونها، ذلك لأن فيها أماكن سياحية جذابة.

 

فيها مكان يسمى (كنجنامه)، توجد في هذا المكان الجبلي عين منظرها خلاب، ينزل ماؤها من الجبل، ماء صاف زلال لا يشابه ماء مدينتنا الملوث.

 

وإياك أن تذهب هناك دون أن تلبس حذاء يناسب السير على الصخور، فإن لم تفعل تفُتك النزهة فوق الجبل والماء ينساب تحت قدميك. 

 

وفيها مكان يسمى ( غار عليصدر )، يقع غار عليصدر خارج المدينة، يبعدها 60 كيلو مترا. وفي هذا المكان غار، كل مسافر يقصده ليرى جماله.

 

يقع الغار تحت الأرض، فيه يابسة تطويها مشياً على القدمين، وفيه ماء يبلغ عمقه من المتر الواحد إلى 14 مترا تتجوله بزورق يقوده أحدهم. ويبلغ ارتفاع الغار

 

من المترين إلى 16 مترا. ومن عجائب قدراته سبحانه وتعالى أن درجة حرارة هذا الغار في كل الفصول ثابتة، 16 درجة لا تزود ولا تنقص. ولا شك أنك تتذكر

 

قدرة الله وصنعه الجميل في هذا الغار المدهش.

 

يستغرق التجوال في الغار ساعتين. ينقل 150 زورقاً المسافرين، أجرة كل مسافر 12 ألف توماناً، فاضرب 150زورقاً  في 12000 توماناً في 18 ساعة

 

ستحصل على إيرادهم اليومي. مكسب ضخم أليس كذلك؟

 

ومن الأماكن السياحية الأخرى، مقبرة ابن سينا وبابا طاهر وعباس آباد ولم تعجبنا، لا أنا ولا أم شروق ولا أبناءنا.

 

وفي الطريق كنا نقرأ أسماء القرى التي نمر عليها، أسماء صعبة اللفظ كـ (دينگله) أو (قشبلاق) ولا شك أنها سهلة اللفظ عند ساكنيها وتتوافق مع ثقافتهم وتراثهم

 

المحلي.

 

لم نر الشرطة كثيراً والأمان يسود المدن، ولا تتعرض الشرطة هناك إلى راكبي الدراجات النارية كما تتعرضهم وتؤذيهم في مدينتنا! وقد تعرضوا لي قبل سبع

 

سنوات وحجزوا دراجتي بحجة واهية، حتى اضطررت أن أشتري ثانية توصلني إلى دوامي.

 

وفي الليل كانت الموسيقى الفارسية تعزف، فكان هنالك عازفون متجولون يغنون أمام الخيام ويعطيهم الناس أجر غنائهم.

 

فسمّعونا يا أبناء المحمرة موسيقى عربية حين نخرج إلى الحدائق العامة.

 

ويجب أن لا ينسى من سافر إلى بروجرد شراء العسل وعصير الليمون الطبيعي، ومن مدينة تويسركان شراء الجوز واللوز.

 

ومن الأحداث الظريفة التي حصلت لنا:

 

نمت في إحدى الليالى خارج الخيمة وكان البرد قارساً، وعندما استيقظت صباحاً كان الغراب ينقر أطراف بطانيتي! ولم نر طيوراً خلال رحلتنا غير الغربان

 

والعصافير.

 

وكنا نسأل عن الطريق كلما اتجهنا إلى مكان ثم نشكرهم بكلمة (مرسي)، فاعترض ماجد ذو الخمس سنوات قائلاً: كررتم هذه الكلمة كثيراً، استخدموا كلمة

 

(مُرسي) بدلها!. و مُرسي هو رئيس مصر المعزول، ويبدو متابعتنا للأخبار قد أثرت على ماجد أيضاً!

 

وفي الحدائق العامة كل واحد يصلى على جهة! و قد تذكرت حينها الآية الكريمة (فأينما تولوا فثم وجه الله) أما نحن فلقد جلبنا بوصلة لمعرفة جهة القبلة.

 

استغرقت رحلتنا سبعة أيام ثم رجعنا.

 

وما إن اقتربنا إلى المحمرة حتى بلغت سرعة سير سيارتنا إلى المئة والثلاثين وأنا لا أدري، والسرعة القصوى هي خمسة وتسعون، عندها ذكرتني أم شروق قائلة:

 

لم تكن تخالف قوانين السير طيلة السفر، فلما العجلة؟!

 

قلت: اشتياقي للمحمرة هو الذي جذبني بسرعة فائقة، أنا لا أسرع.

 

سعيد مقدم (أبو شروق)

 

2013

 

 



المدون فلاحيتي

متنفس للغتي

 

عندما تحن للغتك، لغة أمك وأبيك، لغة بلدك ووطنك؛

تحب أن تتكلم بها، أن تقرأ بكلماتها، أن تكتب بحروفها؛

عندها فقط، تستمتع بالسكينة والهدوء، وتحس بالراحة والطمأنينة؛

ما سرّ ضاد هذه اللغة الذي يجعلك تشتاق لها اشتياقا عميقا كعمق البحور!

وكثيرا ما نصحت أبنائي أن يحتفظوا بهذا الكنز الثمين الذي أين كنوز

 العالم منه.

ويا أبنائي، متى عشتم حياة دون لغة الضاد الكريمة، عشتم في ضياع.

ولو خيرتم بين الخرس والنطق بسواها، فاختاروا الخرس دون تردد.

فيا أيها الذين آمنوا وأنتم الذين لم تؤمنوا، ألا يكفيها ويكفينا فخرا أن

الله أنزل كتابه بها؟!

وعندما تقف على كُشك بيع الصحف في بلادي باحثا عن صحيفة أو

مجلة عربية، ويطول بك الأمد ويتعبك البحث ولم تجد؛عندها فقط،

تحس وكأنك تعيش في غربة، فتضيق بك الواسعة، ويتصاعد زفيرك

 موشكا أن يحرق جميع ما في صدرك؛وحدها المواقع الأهوازية

المجازية تستطيع أن تسكّن ألمك.

هذه المواقع التي نهضت بنا نهضة جبار أفاق من نوم طويل وبدأت

تسير بنا نحو الضياء بعد الظلمة التي استمرت لعقود؛

لكنها  - والعقبات من حولها - تسير بخطى وئيدة ومضطربة.

فهل يا ترى في ظل هذا الاضطراب الظالم تستطيع هذه المواقع

 أن تساعد شعبنا في الوصول إلى غايته المنشودة؟

وما انفك هذا الشعب يحبو في سفح تلك الجبال التي يقع المجد فوق قممها.

 سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

حلوتي الخضراء


استيقظت وكالأيام الماضية ساعة قبل أذان الفجر، صليت، ثم ودون أن أقرر وجدت نفسي وسط بحر العالم المجازي، مررت على المواقع العربــــيــــة وما أكثرها، ثم على المواقع الأهوازية وما أقلها، حتى تكاد أن تعدها بأصابع إحدى يديك؛ ثم دخلت في الـفـيـس بوك، اخترت بعض القصص أو الأشعار لمجلة إليك أكتب ثم كتبت بعض التعليقات وخرجت. اليوم أيضًا لدي متسع من الوقت، علمًا بأني أقضي عطلتي الصيفية التي تستمر ثلاثة أشهر على أقل تقدير.

 

وقبل أن تشرق الشمس سقيت حديقتي، لاطفت بعض أشجارها، شذبت أغصانها، ودون أن أدري تسرق الـنـخـلــــــة مني جل وقتي، بل أنا الذي أنفق جل وقتي لأستجيب لدعاء ميلي نحوها. لا أدرك بعد ما السحر الذي تسحرني به هذه النخلة وأخواتها والذي يجعلني أحدق إليها دون أن أرمش، أغوص بين سعفاتها، أغرق بين خوصها، يخزني سلاؤها ولا أشعر بألم وخزه، أدري أنها تداعبني ولا تنوي

 طعني، هي تدري بمدى حبي لها، ولا مراء أنها تحس بهذا الوله العميق، وإلا لما لوحت لي بسعفاتها كلما أقبلت عـلـيــها وآيـــات الترحيب على سيمائها صادقة، ولما فرشت مائدتها الشهية أمامي كلما دنوت منها، كأنها تعلم أني أتيتها دون أن أفطر، فتقدم لي الرطب الجني الحالي الذي أين حلاوة العسل منه؟

أحس أن خوصاتها هي التي تجني لي رطبها فتطعمني إياه، وما إن توضع الرطبة في فمي حتى تموع دون أن ألوكها فتنتشر حلاوتها في فضاء فمي، ثم أحس بسكّرها ينتشر في جميع عروقي فأسكر به سـكرا يغمض عينيّ، يـأخذني إلــــــــى عالم ثان باستطاعتي أن ألامس أشـجـــاره الجميلة بأناملي، وتتراكض تصاوير أنهره بسرعة

البرق في ذهني تاركة أثرا عظيما يزيد نشوتي أضعافا؛ ثم أفتح عيني لأراها تنظر إلي مبتسمة بنظرات ذوات علق وكأنها راضية من التأثير العميق الذي أوجدته فيّ، والذي أخذ بي مأخذه؛ ولـــم يحصل أن رميت نواة منها قط، بل أجمعها ثم أبحث عن مكان مناسب لأزرعها آملا أن تنبت نخلة مثلها في يوم ما.

قــد ترونها ساكتة، لكنني أرى حركاتها، وأسمع همساتها حين تهامسني أوعندما تتهامس مع العنادل والعصافير التي تشاركني في الآونة والأخرى في حبها. وكم يبهرني لونها الأخضر الزاهي، حتى عزمت أن أشتري لي كوفية خضراء أتعمم بها كلما خرجت لمناسبة أو لزيارة أهلي أو أصدقائي.

وحينما نتمشى أنا وحبيبتي أم شروق بقصد التنزة في شوارع المحمرة، أبصبص من غير علمها إلى نخلات الجيران الباسقات فوق الأحواش، عندها تزيدني ارتياحًا وأمانًا واطمئنانًا. ولــم أتذكر يومًا أني خرجت من البيت دون أن ألقى على نـخـلـتـي وصحويباتها تحية الإعجاب والحب.

هذا ولا تلوموني إن أغرمت بحبها، وبالغت في غزلها، فهي فضلا عن أنها حلوة كريمة مباركة، هي رمز بلادي وحضارتي وشموخي.

سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

شمسنا

وليد مالك آل ناصر

من این یبتل هذا الاسفلت الذی عاش الکثیر من همومه تحت ظل هذه الشمس التی تکتب کل یوم عن واقع هذه المدینه ؟ یا تری هل سنصبح غدا او بعد غدا علی شمس تفکر بان تکون اقل لهیبا او شمسا تفکر بان تتنحی عن السلطه قلیلا؟!

قد تکون الشمس هذه ذکری من ذکریات جدی الذی تهاونت عظامه و فضلت أن تکون هباءا منثورا فی سباقها الدائم مع التربه و دیدانها الجائعه طویلا!

لیتها کانت أقل جنونا ... أقل جنونا ... أقل جنونا ... تلک شمسنا التی حبطت أعمالها لتنتظر بأن یغفر الله لها بعد هنیهه!



المدون فلاحيتي
مدينتي

 

خرجت اليوم وزوجتي وأطفالي من البيت متجهين نحو مدينة الألعاب.

فماجد وهو طفلنا الصغير كان ومنذ الصباح يتحجج ويتذمر للخروج من البيت. ورأى أخوه وأخته سبيلا للفرار من مذاكرة دروسهم التي لولا إصراري لما درسوها، خاصة ونحن في عطلة الصيف.

 

وبينما كنا نسير، كادت إطارات سيارتنا أن تنثقب وتتدمر من كثرة الحفر التي أوجدتها البلدية بحجة تصليح التبليط!

ومصلحة المياه بحجة مد شبكات المجاري أو المياه النقية!

وشركة الاتصالات بحجة مد أسلاك الهواتف!

وشركة الغاز بحجة دفن أنابيب الغاز!

وقد اجتمع هؤلاء كلهم سامحهم الله ليكربوا شوارعنا من دون رحمة!

ولو أنك اعترضت، قالوا نريد أن نعمر البلد!

وكأن الحرب توًا قد انتهت.

بينما مضى على انتهائها عقود من الزمن.

 

 

سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

سهرت لأجلها

سعید مقدم ( أبو شروق )

 

وأنت صائم والوقت هجير وبدأ يدنو إلى الأصيل والعطش يحرق قلبك، كم من الماء تتمنى أن تعبئ إلى جوفك؟

وأنت مهاجر إلى ديار الغربة، وطال بك الهجر سنين كثيرة، كم تشتاق إلى رؤية أمك، أبيك، ذويك؟

تصور فرحة يتيم محروم من الأب والأم يعيش عند خالته الفقيرة، يتبرع له غني بملابس العيد وسلة من الألعاب.

هكذا كانت فرحتي عندما أحضر لي أحد زملائي في المدرسة كتابا عربيا قال إنه لخاله وقد اشتراه من الكويت.

أردت أن أخطفه منه قبل أن يناولني إياه فأجذب حروفه مع أنفاسي، ثم ألتهم ما تبقى منها لتمتصها عروقي من ديباجته وحتى نهايته.

كنت مشتاقا إلى كتاب خُطت أحرفه بلغة الضاد ومتعطشا حيث أردت بعد أن استلمته من صديقي أن أعبئ سطوره في الحال إلى جوفي لتبلل عروقي التي جففها ظمأ امتد إلى سنين. ظمأ إلى لغة أحببتها دون أن أعثر على كتاب مطبوع بحروفها مهما التمست هنا وهناك.

كان الكتاب جديدا جميلا رائعا اسمه (أم كلثوم ، بعض خواطرها ومختارات من أغانيها). 

سلمه لي بالسر وكأنه يدس في يدي ممنوعا من المحذورات.

همس بأذني وهو يتلفت حوله خوف أن يراه أحد الطلاب فيشي به إلى المدير:

تحضره غدا صباحا، وأياك أن تغيب بحجة أو بأخرى، لن أقبل منك الأعذار.

ثم أوصاني به حتى عجز لسانه: تصفحه بعناية تامة، لا تشرب الماء وأنت تقرأه، ابعد الأطفال عنه ...

فكرت بالهرب من المدرسة كي أوفر الوقت لهذا الكتاب الذي ضممته إلى صدري، وبين الآونة والأخرى أشم عبق حروفه المنضدة بين دفتيه.

ولكني انتظرت وعلى أحر من الجمر حتى رن الجرس. فركضت نحوالبيت حاملا معي حقيبتي وممسكها بقوة.

عندما وصلت إلى البيت كان أذان الظهر قد رفع، صليت، ثم أكلت على عجلة لقيمات، ثم أحضرت دفترًا وبدأت أنقل الكتاب؛ وشرعت من غلافه:

(أم كلثوم، بعض خواطرها ومختارات من أغانيها، إعداد ثابت الحلبي المحتسب)

ثم انتقلت إلى الصفحة الأولى والثانية والثالثة، ولم أمر على حرف إلا كتبته بدقة وبخط حسن.

واستمريت أكتب حتى أغسق الليل... صليت وتعشيت مسرعا، ثم لم ألبث أن مضيت أخط - دون أن أسكن ساعة- حتى بلج الصبح؛ وعندها كنت قد بلغت كلمة (النهاية).

 (فيا ظالمني) مررت تلك الليلة على (الأطلال) و (حياتي عذاب) و(دليلي احتار) وهذه (قصة حبي) لحبيبتي لغة الضاد.

اللغة التي أحببتها منذ صغري ولا ينفك حبها يسري في عروقي حتى سكن قلبي وتسلط.

وهكذا أصبح عندي كتاب مخطوط بلغتي العربية، وقد قرأته أكثر من عشر مرات حتى كدت أن أحفظ جمله وأشعاره.

لا أدري هل استطعت أن أعرب عن حرماني من الكتب العربية آنذاك، أم ينبغي أن أشرح بركان اشتياقي أكثر؟

 



المدون فلاحيتي

 

 

* حسين طرفي عليوي

كم هو سعيد يجد نفسه متحرّرا من الثكنة يمشي بكل حرية في مدينة غريبة باحثاً عن هاتف للإتصال بأهله والحديث مع أخته عن معصومة.

معصومة هي زميلة أخته في الجامعة و كانت تزورهم وهو يرقبها حين تحاظر مع أخته الدروس، و بين كل آونة وأخرى يسأل أخته عن حقيبته ومرة

عن نقاله وأحيانا عن نظارته وكل هذه المحاولات في سبيل إثارة انتباه معصومة ويحرص أن يمثّل هذه الأدوار بكل عفوية وبشكل طبيعي جداً، لكن

في كل مرة ترمقه أخته بنظرة مشوبة بالتسائل متشككة عما يدور في البيت بشكل غير مألوف، لكن هذه النظرات لم تكن رادعة لمداخلاته، ولا

يدري لماذا كلما ازداد حبّه بالنسبة لمعصومة كلما جزم ألا تعلم بحبه وبقى غرامه يُشحن كبرياء ما كان له عهد بها. وشد ما سأل نفسه هل تحبّه مثلما يحبّها وراح يتورّق ابتساماتها حين يفتح الباب لها مارة عليه كمن يورّق كتاباً باحثاً عن ورقة! بعد أن أنهى الجامعة كان عليه أن يغادر مدينته الأهواز استعدادا للعسكرية وقد شغلت فكره معصومة كثيرا فلم يتخلّص من صورها، مشيتها، صوتها، حيويتها، وحكاياتها الشيّقة وأخيرا قرر أن يفاتحها بأمر الزواج بعد أن تمكّن من النفوذ في قلبها أو هكذا تصوّر.

 

قبل الذهاب بليلة أعطى أخته فاطمة رواية « غراميات مضحكة »  لميلان كونديرا وقال لها بأن تعطيها لمعصومة وكان قد وضع رسالة قصيرة في

وسط الكتاب معبّرا عن حبه. بعد قضاء أسبوعين في الثكنة تمكّن يونس من الخروج والإتصال بأهله - حيث الهواتف كانت منقطعة في السرية- وسأل عن حالهم وتحدّث مع أخته وقبل أن ينهي المكالمة سأل فاطمة عن الرواية. فأجابته وهي تضحك: يا أخي هذه لا تحبّ القراءة كثيرا ما إن أخذت الكتاب حتى أعادته لي بسرعة وقالت إنها لا تودّ قراءة الروايات الطويلة و- الحر تكفيه الإشارة- والكتاب عندي لا تخف سأحافظ عليه.

 

بعد أن اغفل السماعة تبدّدت كل آماله، وكم عاتب معصومة في قرارة نفسه وربما قال بصوت مسموع - مادام لا أحد يعرف لغته في تبريز- :

أيتها الغبية، كان عليك أن تقرئي الكتاب أم تبقيه عندك لفترة.

 

أخدت الأفكار تراوده بشتى الأنواع إلى أن أيقن بأنه كان مخطئا، فلو كانت تحبّه لقبلت بالكتاب واحتفظت به.

حاول أن ينساها في فترة العسكرية وقد حكى القصة لأحد زملاءه حيث ضحك على الحكاية قائلا له: خذ هذه السيجارة وأنظر للدخان كيف يبدّد الحب

وأبا الحب.

 

مرّت أيام عديدة وسنوات وقد تزوج يونس وحضی ببنتين جميلتين كالملاك وأخته كذلك كانت قد تزوّجت قبله. وذات ليلة صقيعية كان مع زوجته وبنتيه عند بيت أخته وأرادت منه أن يلقي نظرة علی المكتبة الخشبية الجديدة التي اشترتها حديثا. فأشاد بذوق أخته وردّد العبارات التي لا بدّ منها ولاح ببصره كتابه المترجم للغة الفارسية: «عشق های خنده دار ». فقال لأخته: أ لم يكن هذا كتابي. فردّت بالإيجاب. أخذ الكتاب من الرفّ وراح يتصفّحه وإذا بالرسالة وجدها قابعة في نفس المكان، لكن ما إن قلب الورقة حتى بقي واجما حين رأی هذه الكتابة بحجم صغير: « سأكون بانتظارك »

 

هفته نامه جنوبي ها - 19 شهریور ماه 1392 - سال ششم – شماره  49



المدون فلاحيتي

سيارة إدارية

دخلت بسيارتي حيًا لم أدخله من قبل وكان الظلام دامسًا،
فسرت بطيئًا وأنا أحملق في الأسفلت كي لا تقع سيارتي في الحفر وما أكثرها!

وفجأة مرت من جانبنا سيارة تسير سريعًا.
فقلت في نفسي: لا شك أن سائق هذه السيارة يسكن هذا الحي، ويعرف أين تقع الحفر فيتجنب الوقوع فيها، فسرت خلفه بنفس السرعة أتتبع سير إطارات سيارته.
وكادت سيارتي أن تتدمر تمامًا وهي تقع في حفرة ثم تنجو بنفسها.
وتقع في ثانية وتصطدم رءوسنا بسقفها فننزل متألمين!...
ولذا أبطأت ثانية.

ولما وصلت إليه وكان قد ركن سيارته جانبًا، خاطبته قائلًا:
لا شك أنك مثلي تدخل هذا الحي لأول مرة.
قال: بل أنا أسكن هنا!
سألته: ألا تخاف على سيارتك من هذه الحفر وبعضها ذات عمق يبلغ العشرين سانتي مترًا؟!
قال بكل هدوء: كلا !! ألم تر أن السيارة إدارية!!
فنظرت إلى رقم السيارة وكان أحمر، وهذا يدل على أن الرجل صادق، السيارة ملك لإحدى الدائرات الحكومية!

 

سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

ماجد واللغة الفارسية

 

هذا ماجد، على ضفاف نهر كارون؛ سوف يبلغ الست سنوات بعد أربعة أشهر، ويدخل المدرسة بعد ستة أشهر؛ علمته الحروف والأعداد وبعض كلمات القرآن، لكنه سوف يتلقى دروسه باللغة الفارسية.

ولحد الآن لا يعرف من الفارسية حتى جملة واحدة؛ ذلك لأننا في البيت نتكلم بلغتنا الحبيبة (لغة الضاد).

اقترحتْ أم شروق أن أكلمه أنا بهذه اللغة حتى يتعلمها قبل أن يدخل إلى المدرسة، مهمة صعبة، أليس كذلك؟

رطنت معه بالأمس، نظر إليّ نظرة متعجب ثم ضحك بصوت عال! المسكين لم يفهم من كلامي شيئًا.

رفضتُ المسؤولية وحولتها إلى أمه التي بدأت تتراطن معه بجمل بسيطة.

اليوم عندما رجعت من المدرسة، بحثت عن قناة الجزيرة ثم العربية ثم اسكاي نيوز فلم أجدها!

وشكى ماجد أن لا خبر من جزيرة الأطفال ولا من براعم ولا mbc3 ولا نون ولا اسبس تون!

القناة الوحيدة التي عليه أن يتابع برامجها هي قناة (پویا) الإيرانية. وهي قناة تبث للأطفال وباللغة الفارسية.

بهذه الطريقة يضطر ماجد أن يتعلم لغة المدرسة؛ هذا ما قالته أمه.

وموضوع اللغة الفارسية في بلادنا لهو موضوع مهم علينا أن نأخذه مأخذا جادًا وأن مشكلة ماجد

هي مشكلة الكثيرین من عائلات مجتمعنا العربي ويجب التعامل معها بدقة وحساسية.

هناك من ألقى مهمة تعليم الطفل اللغة الفارسية قبل دخوله المدرسة على عاتق المعلمین وترك طفله (أطرش في الزفة) في سنينه الأولى من الدراسة لا يعرف من كلام المدرس – الذي قد يكون فارسيًا لا يجيد العربية أصلًا – كلمة واحدة، ولا يستوعب الدروس بتاتًا.

وقد يترك هذا الطفل المدرسة أو يتهرب منها كما يحصل لكثير من أطفالنا في المرحلة الإبتدائية، وهذا ما لا نبتغيه.

وقد نجد من ركزوا على اللغة الفارسية وأمهلوا اللغة العربية – هذه اللغة التي نعشقها جميعًا ونعتز بها اعتزازنا بأعظم الأشياء- نعم أمهلوها وتكلموا مع أطفالهم بالفارسية من الصغر، حجتهم الواهية هي استيعاب الطفل الدروس التي سوف يتلقاها بهذه اللغة؛ وبهذا الأسلوب الخاطئ قتلوا لغة الأم على ألسنة أطفالهم. فهؤلاء هم الذين (أرادوا أن یكحلوها فأعموها)، ومن أين نلتمس الدواء لنرجع البصر المفقود بعد أن يفوت الأوان؟!

 

وهنالك بعض العوائل التي جرفها التيار دون أن تعلم، وهي التي بدأت بتعليم أطفالها اللغة الفارسية قبل دخولهم إلى المدرسة، ثم تسربت هذه اللغة -التي كانوا يتكلمون بها مع الفرس فحسب- في بيوتهم ومن ثم فقدت الأسرة السيطرة على اللغة الدخيلة وراح الأبناء يتراطنون إلى أن نسوا لغتهم الأم.

ففي مثل هذه العوائل، حتى الكبار سوف يعانون العجز والقصور في التعامل بلغتهم العربية حديثا وأداء.

عندئذ تجد في العائلة وبعد فوات الأوان الشيخ وعجوزته وكأنهما غريبان في مجمع العائلة وهما لا يفهمان ما يتراطن به جمع الأسرة.

وهكذا تندثر لغة الضاد في هذه العائلة، ومثلها في مجتمعنا الأهوازي كثير.

وذلك لعمري هو الضياع الذي ما بعده ضياع.

والمصيبة الكبرى تحدث عندما يولد أبناء جدد في هذه العائلة التي تركت لغتها العربية وراحت تتراطن بالفارسية، فهؤلاء سوف لا يجدون من يتكلم معهم بلغة آبائهم وأجدادهم؛ وتلك مصيبة لا يستهان بنتائجها.

 

وبالنسبة إلى ماجد، ثمة من يعتقد أنه سوف يتلقى صدمات نفسية نتيجة افتقاده قنواته المفضلة التي كانت تخاطبه بلغة أمه.

ومنهم من يعتقد أن نترك الأمور تمشي على طبيعتها، وأن ماجدا سوف يتعلم اللغة الفارسية بعد أن يدخل المدرسة كما تعلمها الكثيرون من أبنائنا بعد دخولهم إلى المدارس وكانوا لا يعرفون الرطين بتاتا.

صحيح أنهم واجهوا مشاكل في بداية الأمر، لكنهم تعلموها رويدا رويدا حتى وصلوا إلى الجامعات وحصلوا على شهادات عليا كالليسانس والماجستير.

وثمة من يعتقد أن أطفالنا سوف يتعلمون اللغة الفارسية شاؤوا أم أبوا، وعلينا – بدل أن نبعدهم من لغتهم الأم مبكرا – أن نثري مخزونهم اللغوي لهذه اللغة الحبيبة قبل أن تسرقهم منا المدارس فتعجم لغتهم حتى يمسوا ضعيفي النطق بلغتهم الأم.

 

وقد أرسلت بعض العوائل أطفالها إلى الروضات -التي لا تكلمهم بغير الفارسية- كي يتهيؤوا للدخول إلى المدارس وهم ينطقون لغة التعلم بسهولة.

والحقيقة أن لي تجربة مرة جدًا من الروضة، كنت قد علمت ابنتي شروق أناشيد عربية فصحى قبل سنتها الخامسة، وبدعم من قنوات الأطفال العربية أوشكتْ أن تتعلم الفصحى كلامًا وكتابة لولا الخطأ الكبير الذي ارتكبته وهو تسجيلها في روضة الأطفال. فحدث ما لم يكن بد من حدوثه، روضة الأطفال تلك، (وجميعها تشبه بعضها) حرقت ما تعبت لتحقيقه من يابس وأخضر.

نست شروق جميع الأناشيد العربية، حفظت مكانها أراجيف وأباطيل، اتجهت نحو الفارسية وهجرت العربية تمامًا.

وكلما حاولت أن أتدارك الخسارة التي خسرتها فلم أستطع؛ وصار كلام معلمتها أهم من كلامي وكلام أمها.

فلم أنس الخسارة التي تكبدناها تلك السنة، من مال ولسان وثقافة.

ومنذ تلك السنة وأنا مستيقن بأن التعليم في بلادنا إنما يميت لغتنا الحبيبة.

حقيقة مفزعة لا ينبغي أن نمر عليها مرور الكرام.

 

والحل الأمثل في رأيي المتواضع– إذا ما أردنا أن نحمي لغتنا من الفناء وننقذها من الموت الذي بات يهددها صباحا مساء من كل صوب – هو أن نعلم الأطفال قبل دخولهم المدرسة بخمسة أشهر لا أكثر بعض الجمل الفارسية البسيطة، ثم نرافقهم رحلة دراستهم خاصة في المرحلة الإبتدائية؛ دون أن نسمح للغة غير لغة الضاد أن تدخل بيوتنا.

وما من شك أنهم سوف يتقنون الدروس بكل سهولة دون أن نخسر لغتنا التي إن خسرناها وانبطحنا أمام اللغة الفارسية استسلاما، خسرنا هويتنا، أمجادنا، تراثنا، حضارتنا، وجودنا، ديننا، …

 

سعيد مقدم (أبو شروق)

 13 مارس 2014



المدون فلاحيتي

بالصدفة

سعيد مقدم (أبو شروق)

وجدته يحدق إلى البعيد!
لا أدري ماذا جذبني لأخرج جوالي وألتقط منه صورة؟!
ربما رأيته متعبًا من ألم السنين، هيئته تقول لي ذلك؛
دنوت منه وسلمت عليه، حياني بـ (هله عمي، كل الهله)،
تحية حميمة، تحس بها أنها قريبة منك ...من مشاعرك.
- كيفك يا عم؟
-الحمد لله، الله ساترها.
-أين تعمل أو هل أنت متقاعد؟
- هه يا حسرة!

ولم أنتظره ليحكي لي معاناته، قرأتها حتى نهايتها من حسرته وهيئته الحزينة.
لم أنتظره ليقول لي أنه يقبض راتبًا من مؤسسة الإمداد ولا يتجاوز مقداره عشرين ألف تومان!
أدري أنها لا تسد رمق بناته، ولا تكفي عوز عجوزه. بل أنها لا تكفيهم ليقتاتوا بها ليوم واحد!
ولم أنتظره ليقول لي أنه يتقبل الصدقة إذا تصدق عليه أحد؛ لكنه ونظرًا لعزة نفسه لم ولن يشحذ في الشوارع.
قرأت كل هذا من جسمه الهزيل وكوفيته البالية و(دشداشته) ذات اللون الباهت.
ثم التفتُ إلى الدخان المتصاعد من إحدى عيون النفط وبلعت ألمي وحسرتي ...وودعته.  

 



المدون فلاحيتي

افهم أباك

 

كنتُ منتظرًا في البنك حتى يحين دوري، دخل شيخ طاعن في السن يرافقه ابنه؛ ويبدو أنه جاء يبدل بطاقته للصرف الآلي.

الشيخ جلس على أحد الكراسي والابن راح يملأ استمارة تخص البطاقة، وكان البنك مملوءًا بالمراجعين، فصاح الشيخ بصوت عال يسمعه الجميع:

البطاقة ما زالت جديدة، فلماذا نبدلها؟

دنى الولد من أبيه ووضح له بهدوء: صحيح أنها ما زالت جديدة لكن تأريخها قد انتهى.

عجبني الابن لسعة صدره وفهم أبيه.

لا شك أنه كان قد وضح من قبل سبب مجيئهما للبنك لأبيه، لكنه شيخ كبير قد ينسى أو لا يقتنع بالدلائل التقنية التي نراها واضحة ومقنعة.

فهو ليس من هذا الجيل الإلكتروني ولا يعرف معنى انتهاء التأريخ لبطاقته. هو يراها لم تزل جديدة ولا حاجة لتبديلها.

فيا صديقي، إن كان أبوك شيخًا كبيرًا طاعنًا في السن كشيخنا هذا، فافهمه؛ إن طلب منك أن ترافقه إلى مكان ما – للبنك وما شابهه - اهبب معه ولا تتثاقل؛ فإن رفضتَ تُعدُ من ناكري الجميل، من أولئك الذين يوصفون بالعاقين.

فقد تسيران مسافة ثم تتفاجأ بأنه ينتعل نعالا بالية لا تليق ومكانتك الاجتماعية، فلا تتأفف واعلم أنه إذا ما كان مستعجلا يلبس أقرب نعال له حتى لو كانت ليست مناسبة لخارج البيت.

وأنتما في البنك مثلا، ولم يحن دوركما بعد، لكنه قد يضيق من الزحام فيطلب منك – وبلحن الآمر - أن تسألهم عن حين دوركما، فلا تتضجر وتمشى نحوهم ثم حاول أن تسألهم عن شيء ما. فهو قد لا يعرف معنى الرقم الذي أخذته من الجهاز وهم سوف ينادونك متى ما حان دورك.

وقد يشكو للمراجعين الذين يجلسون جنبه أكثر من مرة عن عبثية تبديل بطاقته، وذلك بصوت مرتفع يسمعه الجميع، فإياك أن تذكّره أن يخفض صوته، دعه يتكلم براحته. واعلم أنهم سوف لا ينزعجون من علو صوته. هم يدرون أنه شيخ كبير ويحترمون شيبته ويبررون تصرفاته.

أو قد يسأل بعض المراجعين عن سبب مجيئهم إلى البنك، فإياك أن تومئ إليه بالسكوت بحجة أنه يتدخل في أمور الناس، ففي زمانه لم تكن بين الناس أسرار ولا خفايا، كان كل ما في قلوبهم على ألسنتهم. فيبيحون لبعضهم ما يختلج في ضمائرهم. 

وقد يكلم الجالسين عنك وعن شغلك وعن مكانتك الاجتماعية، فلا تسخط وتحمّله، فإنه قد يتفاخر ويتباهى أمامهم بك.

وإلا ما معنى (لا تنهرهما) التي جاءت في القرآن الكريم؟

هذا ولا أوصيك بأمك العجوزة، أدري أنك تعرف جيدا أن لها حقا أكبر بالمرات من حق أبيك في عنقك.

فالله الله بها، ليس لأن الجنة تحت قدميها، بل لأنها أمك التي عينها كانت وما زالت ترنو إليك.

فإياك أن تغلظ القول وأنت تخاطبهما، بل قل لهما - كما أوصاك ربك-  (قولا كريمًا).

فالله الله بهما يرحمك الله.

 

سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

اغتيال الموسيقى

 

كان حر المدينة على أشده،
خرجت من كوت عبدالله متجهًا إلى الكواخة؛ كنت آنئذ ابن الثامنة عشرة.
رفعت يدي مؤشرًا إلى السيارة القادمة، فوقفت أمامي وركبت؛
كان يومًا مكفهرًا، طلبت من السائق أن يشغل المسجل لنستمع إلى أغنية ما؛
قال ونظره يراقب الجادة من المارين:
إن جهاز المسجل تعطل اليوم، ولايفر الأشرطة بتاتا!
رجوته أن يناولني شريطًا لعل حظي يشغلها فتخرجنا من هذا الجو المتعب وتنسينا بعض هموم اليوم.
مد يده تحت كرسيه وناولني ثلاثة أشرطة.
وضعت الشريط  في المسجل وحاولت أن أشغله،
بدا وكأنه ميت، امتحنت الشريط الثاني والثالث، وعبثا ما حاولت؛ يبدو أنه بحاجة إلى تصليح كامل.
فوضعت الأشرطة أمام السائق على لوحة العداد.
ونسي أن يرجعها إلى مكانها، حيث كانت مخبأة تحت كرسيه.
والكل يعلم أن الحكومة كانت قد حرمت الموسيقى، سوى الأناشيد الدينية وتلك التي كانوا يسمونها ثورية.

وصلنا إلى حاجز تفتيش، وحاول السائق أن يخبئ الأشرطة، لكن أحدهم رآه.
أمرونا أن نترجل من السيارة، ثم بدؤوا يفتشونها حتى أخرجوا الأشرطة المغناطيسية جميعها.
ولولا الأشرطة الثلاثة التي نسي السائق أن يخبئها، لمررنا بسلام.

قال السائق والاضطراب بائن على ملامحه:
إنها أشرطة مآتم ولطم، وبعضها أناشيد الثورة الإسلامية؛ ثم إن جهاز المسجل معطل.
 حدج مسؤولهم السائق بارتياب ثم قال:
سأمتحن المسجل والأشرطة، فإن كانت كما تدعي، تمرقون دون أن تتعرضوا لأي أذى، وإلا سأدمرها على رأسك!

نظر السائق نحوي وهمس مبتسمًا: الحمد لله أن المسجل معطل.
ودخل رئيسهم في السيارة ووضع الشريط في المسجل وضغط على زر التشغيل؛
وإذا بصوت عبدالأمير دريس يصدح عاليًا:
(مرمرني الصبر والشوق مرمرني)!
نظر الرئيس إلى السائق شزرا وقال: لابد أن هذا صوت (آهنكران)؟! (وكان آهنكران منشد الثورة آنذاك).
ثم وضع الشريط الثاني وكان صوت سميرة توفيق والثالث داخل حسن وهلم جرا.

نزل الرئيس والشرر يتطاير من عينيه، أحضر صخرة – ولم يعر اهتمامًا لرجاء السائق - وأمام أعيننا دمر الأشرطة كلها.
ومن يجرؤ على الاعتراض؟!
ثم دفع السائق نحو سيارته قائلا: انقلع أيها الكذاب المنافق! ترتكب الذنوب في وضح النهار، ولا تستحي.

سرنا والحزن رائن على وجه السائق، والامتعاض جلي على وجهي.
قلت أكلم نفسي:
إن لم يكن هذا، التحجر بعينه؛ فماذا عسى التحجر أن يكون؟!
وساد السكوت بيننا إلى أن بلغنا الكواخة.

 

سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

 

 

دفعت له خمسين ألف تومان ثم سألته بنبرة المازح:

 

أبهذا الثمن تبيع على الغرباء؟

 

قال بصراحة: نحن في شهر رمضان، ولا أكذب عليك؛ طبعا لا.

 

فحسبت أنه يبيع عليهم أغلى.

 

لكنه تابع بعجلة موضحًا:

 

أبيع على المعارف بخمسين ألف وعلى الغرباء بأربعين!

 

سألته مستغربا:

 

وكيف هذا؟

 

رفع حاجبيه وقال بكل هدوء:

 

لأن الغرباء يفاصلونني حتى أخصم لهم ألفا، لكن المعارف لا يساومون استحياء مني فيدفعون الثمن كاملا.

 

صمتُ دقيقة متعجبًا،

 

 ثم انصرفت متباطئا وفي نفسي غيظ ...غيظ كثير.

 

سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

لو أنصفوك ما فقدتهما

 

فلنشتر هذا الفستان يا دلال! إنه جميل ويناسبك.

- ولكن يا أمي هذا اللون لا يعجبني.

إذن فلنشتر ذلك البرتقالي, أنه لونك المفضل.

- يا أمي, موضة ذلك البرتقالي ليست على ما أهوى.

أبي صامت لا يقول شيئاً, كنت أتدلل على كيفي وأدري أنه سيساندني إذا ما أرادت أمي أن تجبرني على شراء فستان لست مقتنعة بلونه أو بموديله.

 

 تكلم أمي نفسها وتشتكي من شدة جوعها وعطشها, فقد تكون محقة, ولا شك أنها محقة, لقد مضى على وقت الفطور ساعة كاملة ونحن ما زلنا نتجول في السوق نبحث عن فستان حلو يليق بي, فأنا البنت الوحيدة عند أبي وأمي, ومن حقي أن أتدلل عليهما وأن ألاحظ الطراز الحديث والموضة.

 ندخل محلاً ونخرج من آخر وترمقني أمي بنظرات حمراء, عرفت أن هذه النظرات إنما هي نتيجة الجوع الذي بدأ يؤثر على تصرفاتها معي.

 

تابع الموضوع



::
المدون فلاحيتي
 
:

غزة

سعید مقدم

 

حين أمطرت القنابل،

 حاولت أن تحمي شيوخها من الموت، ولكن الشظايا كانت أسرع منها؛

 هرولت صوب النساء لتنجيهن، فلم تلحق بأرواحهن؛

 ركضت تبعد الأطفال من شبح الانفجار، فوصلت متأخرة؛

 ثم جلست كأم ثكلى، تلك تبكي ولدها، وهذه مفجوعة بشعبها؛

والحمائم البيض تحلق في الأرجاء بكثافة نحو السماء



المدون فلاحيتي

 

قليل الطمع

 

 

نزل بجوارها ....

 

بنى كوخه جنب كوخها...

 

طارت فرحاً، وكأنه نزل عليها من السماء!

 

وسعدت أيما سعادة!

 

ـ واخيراً وبعد فترة طويلة وجدت من يؤنسني ويرد عليّ الصوت.

 

 

 

لاطفته ...وغازلته...وتحننت عليه،

 

ولكنه... إن نبض قلب الحجر... نبض قلبه!

 

عديم الإحساس تماماً!

 

 

 

وفي يوم من الأيام المضطربة، غضب لأسباب تافهة!

 

جمع أغراضه في صرة وحملها على كتفه وحرق كوخه وابتعد وهو يخطو خطوات المغتاظ!

 

تبلغ مسافة خطوته عن الأخرى متراً وتزيد بعض السانتيمترات!

 

 

 

قالت غير آبهة بذهابه:

 

احرقه...وارحل ... ودع لي وحدتي في هذه الصحراء...أستأنس بها كما كنت،

 

ثم ركضت وراءه قليلاً وهي تصيح بصوت مرتفع:

 

 (ارحل يا قليل الطمع).

 

وتوارت هيئته العارية من كل عاطفة عن نظراتها النهمة حتى زالت.

 

 

عادل العابر



المدون فلاحيتي

1

اشتياق

قالت النخلة لعشيقها لاتقترب .... و الإ شوق وصالک سوف لايهز سعفاتي .

 


2

 

الإمام

 

يُتعب كبار السن بسجوده الطويل في المسجد؛

 

وفي البيت ينقرها نقرًا.


3

 

 

السبب
ولأن سياسة السلطان كانت حجر عثرة في طريق تحقيق أحلامي ...فإني أكرهه.

 

 

4

 

السلطان
اجتمعت الرعية الكادحة حوله، نظر إلى بقرته الحلوب.

 

5

 

العزة

 

كره حياة الذل على الثرى،

 

فهاجر نحو الثريا،

مشنوقًا...وشهيدًا.



المدون فلاحيتي

العائل

 

 

وجدته جالسًا ولمة من الأطفال حوله،

ومن باب الفضول سألته:

من هؤلاء الأطفال؟!

وقبل أن يجيب، تابعت قائلا:

لا شك أن بعضهم أطفالك والبعض الآخر أطفال الجيران.

رمقهم بحنان ثم قال مبتسمًا:

بل كلهم أطفالي.

تجرأت أن أتابع أسئلتي، فسألته:

وكم لديك من الأبناء؟

قال وقد اعتدل في جلسته: دعني أعدهم!

وبدأ يحسب الجالسين حوله: واحد، اثنان ...خمسة.

ثم واصل يعد الكبار:

حسن، ستة؛

حسين، سبعة؛

حسنة، ثمانية؛

هاشمية،

وشكّ في صحة حسابه فنظر إلى البعيد ثم قال:

لا، لا، لا...

دعني أبدأ من الأول:

واحد، اثنان ...خمسة.

حسن، ستة؛

حسين، سبعة؛

حسنة، هاشمية...

ثم نظر نحوي وتابع شاكيا:

ولكنّ أحمد لا يشتغل! لقد أتعبني.

كلما أرسله صباحا إلى الدوار، يرجع قبل الضحى:

لم أجد عملا، العمال كثيرون ...

ثم عدل كوفيته وغرق في صمت وحزن عميقين.



المدون فلاحيتي

أم غائب

سعيد مقدم

ضافتنا ضحى،

استقبلناها بحفاوة: أهلا وسهلا، أهلا ومرحبا، كل الترحيب.

وقدمنا لها إفطار الضحى: بيض مقلي، بصل، خبز حار، وشاي مخدر على جمر (كما طلبت هي).

تعيش وحيدة، زوجها توفي منذ خمس سنوات؛ ولم تثمر حياتهما المشتركة طيلة ستين سنة ولدا أم بنتا.

تزوج عليها بعد ثلاث سنين من زواجهما ظانا أنه سوف يُخلّف؛ ...ولم يخلف! وتبين أن التقصير منه.

ولشدة بخله طلبت امرأته الثانية الطلاق وفرت من سجنه الضنك.

وتحملته الأولى بحلاوته ومرارته – وأغلبها مرارة – أكثر من ستين سنة.

صبت لها أم شروق فنجانا من الشاي؛

فرغته في صحن الفنجان ثم نفخته مرتين وبدأت ترتشفه ببطء.

وضعت الفنجان في الصحن ودفعته نحو أم شروق وهي تهمس بكلمات شكر وامتنان.

ثم نظرت نحو السماء وتأوهت قائلة:

الله يرحمه؛

كنت إذا أكثرت الشاي نهرني بلسانه الجارح:

(أم غائب ما تشبع شاي)!

أي إنها شرّابة شاي، لا يرويها قليله؛ ولهذا تكثر منه.

ثم ابتسمت ومسحت خديها وتابعت:

وإذا قللته نهرني ثانية:

(أم غائب تقلل الشاي عمدا حتى يتفطر القوري1 من حرارة الجمر).

  ولكني كنت أتحمله ...

ثم دمعت عيناها وهزت رأسها وتابعت بمرارة:

ليته حيّ؛ الوحدة صعبة ...

 

1-      القوري: إبريق صيني

 



المدون فلاحيتي

 

اشتقت إليك

سعيد مقدم (أبو شروق)

كنتُ ومنذ أن فارقتني أعد الأشهر والأيام والساعات كي تعود لي ثانية.

ولا أخفي عليك بأني قد بكيت كثيرا في لحظة رحيلك!

وكم تمنيت أن أرحل معك كي لا أبقى أعاني آلام فراقك، ولكني لم أكن أعرف السبيل الذي سلكتَه حتى أتبعك.

والآن فرحتي – وما أعظمها – لا توصف وقد رأيت هلالك أطل على داري.

حبيبي رمضان، ابقى في هذه السنة مدة أطول من السنة الماضية.

ففي حضورك يفرح الفقراء والمساكين؛

يتلى كتاب الله وتنزل الرحمة والبركة؛

تصفد الشياطين ويمر العباد في طريقهم إلى الله بأمان؛

فيا شهر الخير والمغفرة، يا شهر القرآن والبر والإحسان …أهلا بك وسهلا.

 



المدون فلاحيتي

 

الجوال الخامس

سعید مقدم


اشترى الشريحة بعشرة آلاف تومان،
ثم توسل بأمه أن تتوسط شفيعة عند أبيه ليشتري له جهاز هاتف،
فاستسلم الوالد ودفع خمس مئة ألف تومان لشراء الجهاز،
وكانت هذه المرة الخامسة!
فالولد الطائش دمرها كلها خلال أشهر لا أكثر!

ولكي يحتفل الولد بجواله الجديد، دعى أصدقاءه لشرب الخمر!
وقد أمعنوا في الشرب على ضفاف كارون حتى أخذت الخمرة مأخذها فيهم!
فشرب العصير بعدها ورمى ظرفه الفارغ وراءه في الشط!
وأكل التفاحة ثم التفت متثاقلًا ورمى بقاياها في الشط،
وشرب الروبة ثم رمى الظرف والملعقة وراءه في الشط!
ثم قال ثملًا : والآن اسمعوا ما جاءني من رسائل غرام، فقرأ لهم أبيات الشعر؛ وما إن انتهى من قراءتها حتى رمى الجوال خلفه في الشط!!!

 



المدون فلاحيتي

ليلة وشيلة وثمن الديكين

 

ــ وأخيراً وجدت شغلاً محترماً،

ستصبحين ثرية...تلعبين بالفلوس لعباً،

سأقدم الراتب كله ودون أي نقصان في يديك... وتصرفي به كيفما تشائين... أشتري لك ثوباً جديداً وفساتين للبنات وسراويل للأولاد، ومن المحلات الفاخرة لا من المتجولين بائعي الأسمال.

وأشتري قلائد ومحابس وأقراط  وأساور لك وللبنات.

ومن الآن فصاعداً لست مضطرة أن تبيعي الدجاج والبيض ... أنا رجل البيت... العرف والقانون يحكمان علىّ أن أكدّ وأصرف عليكم ...هذا واجبي.

وسأودعكم صباح غد لأتجه إلى حيث الدوام الذي سيبدأ يوم الخميس!

 

تفاءلت المرأة خيراً وذبحت ديكاً لتحتفل بالخبر السار.

فمنذ أعوام وهو جالس في البيت أو يتجول مع أقرانه لا يدق أبواب الله للبحث عن عمل.

ولكي تعيش ويعيش الأطفال الثمانية تبيع الدجاج والبيض وبعضاً من حليب البقرة وتمشي عجلة الحياة.

 

وفي الصباح سار الرجل نحو شغله الجديد الذي زعم أنه في (عبادان) ولا يستطيع الرجوع إلى البيت إلا بعد أسبوع كامل.

أشاعت الخبر بين نساء الجيران وتباهت بزوجها وبالمصاغ الذي ستشتريه براتبه.

 

وبعد أسبوع رجع يتظاهر بالاكتراث فقال:

إحمدي الله واشكريه يا أم خلف (بتفخيم اللام)، كادت السيارة تنقلب بنا وأوشكنا أن نكون في عداد الموتى.

وقرباناً لوجه الله فقد ذبحت أم خلف تلك الليلة الفحل الكبير من الديكة.

ويخلق الرجل للمرأة وأطفالها قصصاً عن عمله في عبادان ويواعدهم بالنقود التي سيقبضها بعد شهر.

 

ومضى شهر...

وفي عصر يوم الخميس عاد أبو خلف تتمشى وراءه امرأة!!!

ـــ حيوا خالتكم يا أولاد! قال الأب بكل وقاحة!

ودون أن يهتم بأم خلف تابع القول:

وأنت يا خالتهم! ادخلي تلك الغرفة ...إنها لك!

ثم خاطب إحدى بناته باستهتار فقال:

قدمي لخالتك الماء والطعام، فقد تعبت من وعثاء السفر!!!

 

كان الجميع في حيرة،

ـــ من تكون المرأة يا أبا خلف؟ (سألته والقلق يتقاذفها يميناً وشمالاً)،

ـــ بصراحة؟ (سألها بدم بارد وهو جالس يحل خيوط حذائه!)

ـــ نعم. (قالتها بحرقة خرجت من لهيب قلبها المتأجج)،

اسند ظهره إلى الحائط وشرب كأساً من الماء ثم قال:

ـــ إنها زوجتي الجديدة!!!

كانت مطلقة فخطبتها ووافق أبوها فتزوجتها منذ أن فارقتكما وقضينا شهر العسل في بيت أبيها!

ـــ ألم تكن تشتغل في عبادان؟

ـــ كلا!!!

فصرخت المرأة المسكينة كمن سدد إلى قلبه سهما قاتلا وصرخ معها بعض الأطفال الصغار،

ـــ طلقني ...طلقني (والدموع تتحادر على خديها).

ولكنه لم يبال.

 

أخذت عباءتها وراحت إلى بيت أبيها مغتاظة.

وكلما راح أبو خلف أن يرجعها إلى بيتها رفضت.

وبقت ... وبقت... وبقت..

لم تتحمل أطفال إخوانها المشاكسين،

وحتى أخوتها أنفسهم، فقد بدؤوا يشيحون بوجوههم عنها،

وفراق أطفالها أثر على ملامحها، فراح جسمها ينحل وجمالها يذبل.

اشتاقت إلى بيتها... أطفالها ... بقرتها... الدجاج...

ـــ سأرجع إلى بيتي، لن أدعها تعبث في داري.

 

ولما جاء الرجل المراوغ ليطلب منها الرجوع للمرة الخامسة أو السادسة...

قالت:

سأرجع لكن بشرطين:

الأول: شيلة وليلة. (وتعني ليلة عندها وليلة عندي).

والثاني: أن تدفع لي ثمن الديكين اللذين ذبحتهما عندما كنت تكذب علىّ!

ورجعت.

 

ثم خاطب الرجل امرأته الجديدة بلغة جادة فقال:

ها قد رجعت أم خلف لتعول أطفالها، فصار بإمكاني أن أسافر غداً لأجلب البقرة التي أهداها لك أبوك،

وأنت بيعي محبساً أو محبسين من مصاغك واشتري دجاجاً وتعلمي من ضرتك التي ستعتبرينها أختك الكبيرة، كيف تدبرين أمور الحياة، حياتك وحياة أطفالك الذين سيولدون واحد تلو الآخر.

 

عادل العابر

 



المدون فلاحيتي

الكنية

سعيد مقدم



سألت ماجدًا ذا الأربعة أعوام: هل تعرف اسمي يا ولدي؟
قال دون أن ينظر نحوي: نعم، أنت أبي.
أكّدت له ... اسمي؟
قال بعد تفكر قليل: اسمك أبو شروق!
أضحكني جوابه فذكّرته باسمي، ثم سألته ثانية:
وما اسم أمك؟
قال دون تردد: أم شروق!
ثم سألته عن اسم خاله، فقال وقد استعد للإجابة: اسمه أبو سعاد!
ثم تابع دون أن ينتظر أسئلتي المتشابهة:
واسم زوجته، أم سعاد.
واسم ابنته، بنت أبي سعاد!
واسم أمه، أم أبي سعاد!
قهقهت لأجوبته ...وساد بيننا السكوت؛ وسرحتْ أفكاري دون إذني في الكنى وفلسفة وجودها،
وجالت في ذاكرتي كنى عديدة .... أبو القاسم .. أم سلمة ...أم كلثوم ... أبو الدرداء، أبو لهب،
أحببت بعضها و مقتّ أخرى ...
وماجد ... رجع يسطر مكعباته ويبنيها واحدة فوق الأخرى بدقة وهدوء.



المدون فلاحيتي

 

أبو مطر

لم تكن بيوتنا ملتصقة ببعضها كبيوت المدن.

قد تستغرق المسافة من بيت إلى آخر خمس دقائق وربما أكثر.

بيوت وسيعة يوسع الواحد منها ألف كيلو مترا مربعاً أو ألفين.

ولم يتجاوز عدد بيوتنا العشرة،

والكل يزور جيرانه، بل ويطلع على أخبار بيوت القرية كلها، حتى الأخبار التافهة كـ(نعجة بدرية ولدت ذكراً).

وفي شهر رمضان نسهر كل ليلة ونلعب (المحيبس)،

والنساء يحضرن ليشجعن فريقهن المفضل وهو الفريق الذي يلعب فيه أزواجهن أو أبناؤهن.

وقد نجلس خارج البيوت في الهواء الطلق ونستمع إلى سوالف أبي مطر.

كانت سوالفه جميلة، سوالف تجعلنا نتابعها بشغف أو بخوف، حكايات الغرام والتضحيات وأساطير الغول والنسر والجن!

وقد يقص بعضها في حلقات لا تنتهي إلا بعد ثلاث ليال أو اكثر.

والكل يتابع قصصه، النساء، الرجال، الأطفال، ويحفظونها حتى يصبحوا يقصونها لبعضهم في صباح اليوم الثاني.

وفي رمضاننا آنذاك لم نر ملالي ولا كذباً ولا دجلاً ولم يعرف الناس النواح واللطم على الصدور والظهور بحجة استشهاد الإمام علي عليه السلام، بل وكانوا يستقبلون العيد قبل طلته بعشرة أيام بأهازيج جميلة وفرح لا يوصف.

 

والطريف أننا لم نكن نملك أي وسيلة إعلامية لا مرئية ولا سمعية، فلا أحد يملك التلفزيون والمذياع  سوى أسطوانة سمعنا أنها توجد في قصر الشيخ خزعل ولم نرها طبعاً.

وكان أبو مطر أكبرنا سناً فيسأله أهل القرية عن مسائلهم الشرعية ويفتيهم بما يدري ولا يدري!

وفي الواقع لم تكن أسئلتهم صعبة، فكان معظمها يدور حول كيفية الصلاة وأحكام الصوم.

وهو الذي يعين الأوقات الشرعية لأهل القرية!

يخبرهم عن وقت صلاة الفجر والظهر والعصر ووقت الإفطار وصلاة المغرب والعشاء.

فحين تغرب الشمس، خرج من داره وابتعد عن منازل القرية قليلاً ثم نظر إلى الأفق ولم ندر ماذا كان يرى؟

ثم يعلن دخول الوقت الشرعي! فتفطر الناس.

 

وذات يوم استيقضنا عند صياح الديكة فجراً فوجدنا الدنيا مغبرة وغيوم سوداء تغطي السماء فحالت بيننا وبين الشمس،

فلم نر شروقها وكأنه الليل.

واستمر الجو المكفهر لساعات حتى جاع بعض اهل القرية وعطش.

ولا ندري كم مضى من النهار وهل حان وقت صلاة الظهر والعصر ام لا؟

فلقد كان أبو مطر يعرف التوقيت من علو الشمس وغروبها.

صلى أهل القرية صلاة الظهر ثم العصر بعد أن مضى وقت طويل لا يعلمون مدته،

وبعد ساعة أو ساعتين سأل بعضهم أبا مطر عن وقت الإفطار!

فتحاشى الرجل عن الجواب وقد غابت عنه وسيلته الوحيدة التي ترشده إلى معرفة الوقت، فدعاهم إلى الصبر.

ولكن كلما مضت لحظات، اشتدت الضغوط على الشيخ العجوز وصار أهل القرية يتوافدون إلى بيته سائلين باستجداء:

ألم يحن وقت الإفطار؟! فلقد متنا من الجوع والعطش!

فاضطر الرجل إلى الخروج من بيته، واتجه نحو الأفق ليرى ما لا نرى من علامات توحي إليه معرفة الأوقات الشرعية!

وبعد دقائق رجع وكانت العيون مثبتة نحو فمه،

فأعلن وقت الإفطار!

وفطر أهل القرية جميعاً ثم اجتمعوا وكعادتهم ليستمعوا إلى قصصه.

وعندما كان الشيخ يروي قصته،

هبت ريح!

وأزاحت الغيوم!

وانكشف الغطاء عن الشمس! فأرسلت أشعتها الحارة نحو المستمعين إلى أساطير  أبي مطر!

فنظروا إليه وهو مطأطئ رأسه خجلاً،

ثم ودون أن ينبسوا ببنت شفة قاموا واتجهوا نحو بيوتهم يلوذون فيها من شدة حرارة الشمس.

 

عادل العابر



المدون فلاحيتي
 

تجارة لم تفز

وصاها أن توقظه عند غرة الفجر، فوراءه طريق بعيد.
عشّته عصرًا ثم صلى المغرب والعشاء سوية ونام... ونامت هي الثانية.
وعند أول صيحة للديكة أيقظته! وكانت تظن أنه الفجر.
فشرب من الشاي الذي اشتراه من المتجول الغريب...
وشد شكبانه وتوجه صوب قرية (العويفي).

مشى ...ومشى ...ومشى ...ولم يطر الفجر!
ولم ير أيّ مخلوق طيلة طيه الصحراء سوى النجوم وبعض الشهب!
طوى أربعين كيلو مترًا في الصحراء المظلمة... حتى دخل القرية فجرًا.
فطر عند خالته التي تفاجأت لحضوره في ذلك الوقت المبكر...
وراح يعرض بضاعته ليبيعها... ووجدها مغشوشة!
فلعن المتجول الغشاش ذا القبعة الأسطوانية السوداء ذلك اليوم ألف مرة ومرة!
ثم رجع بعد كدحه ماشيًا نفس المسافة ...
لكنّ هذه المرة مشاها في ضوء النهار ...حاملًا شكبانه الذي يبدو وكأنه أثقل من البارحة!



المدون فلاحيتي

القصاب

 

قالت زوجته: فلنشتر اللحم من هذا القصاب.

مسك يدها وراح يمشي نحو قصاب ثان وهو يقول:

ذلك القصاب يعرفني ويحترمني كثيراً، فييبيع عليّ اللحم دون أن يكثر بالشحوم.

كان القصاب ماسكاً الساطور والسكين دون أن يكسر أي عظم أو يقطع أية لحمة أو شحمة، بل يتبادل النكت مع صديقه ويضحكان بملء فيهما، ولما رأى الرجل مقبلاً حياه بوجه باش ثم سبقه قبل أن يطلب نوع اللحم قائلاً:

لا شك أنك وطبقاً للعادة تريد لحم غنم!

قال الرجل وهو ينظر نحو زوجته متباهياً : نعم وأرجو أن يكون طلياً صغيراً.

تبسم القصاب وهز رأسه للطاعة وقال:

عمره لا يتجاوز العشرة أشهر!

ثم أخذ المبرد بحركة روتينية بيده اليسرى وسن سكينه المسكينة التي يسحلها للمرة الألف منذ الصباح ونقى للرجل من ناحية الفخذ لحوم جيدة وناولها إياه.

استلم الرجل لحم (الطلي) ودفع المبلغ ومشيا إلى محل آخر،

ثم تذكرت زوجته ما يلزمها من لحم مثروم،

قال الرجل مغتنماً الوقت: اشتر اللحم من نفس القصاب وستجدينني في المحل الآخر أكمل المسواق.

رجعت المرأة إلى القصاب الذي يحترم زوجها ويجله، كان لم يزل متمطقاً بالنكت مستغرقاً في الضحك!

قالت في نفسها: ماذا رأي زوجي في هذا القصاب من طيب وأنا لا أراه؟!

فلا أراه إلا تافهاً غير مهذب.

ثم طلبت منه لحماً مثروماً.

لم ينتبه القصاب إلى زوجة الرجل أو ربما لم يعرفها فقال لصديقه: 

هل رأيت الرجل الذي اشترى اللحم للتو؟

قال صديقه وقد أثير فضوله: نعم، اكمل.

قال القصاب ولم يملك نفسه من الضحك:

مدرس مسكين، أبيع عليه لحم (عنز) بدل الطلي في كل مرة ولم ينتبه لحد الآن!

قال صديقه بعد أن زهزق في ضحكه: هكذا هم المدرسون، بسطاء ويثقون بالطرف المقابل ثقة عمياء.

سمعت الزوجة ما قاله القصاب وصديقه فأبلغت زوجها بما دار بينهما،

فرجع الزوج بغضب متكدس ورمى اللحم في وجه القصاب الغشاش وشهره في السوق.

وخسر القصاب زبوناً محترماً ينظر للناس بعين إيجابية، بما فيهم العاملون في الأسواق.

 

عادل العابر


المدون فلاحيتي

الفضيحة

سعید مقدم

كان كلما ذهب زوجها إلى عمله صباحًا، تسلل إلى دارها خلسة من فوق السطح!

وفي يوم من الأيام عندما أراد الخروج من حجرتها وجد الباب مؤصدًا من الخارج!

فنهشه الندم ...  هو الذي عُرف بغضيض الطرف... بالنقي، العفيف.....

ومن كانت تُعرف بذوات الطهر! خسرت زوجها وبيتها ... وعشيقها!

وبعدها .... انساب الشيطان من منفذ القفل منتصرًا ... وتركهما يتجرعان عذاب الفضيحة.



المدون فلاحيتي

 

أخاف أن ...

 
أمرته أن يرفع الصحن، قال متملصًا: أخاف أن يسقط من يدي فيكسر!
وقال لي ونحن نمشي في الزحام: أمسك بيدي، أخاف أن أضيع،
وكلما طلبت منه تنفيذ أمر، استخدم جملته المعهودة:
أخاف أن أسقط، أخاف أن أجرح، أخاف أن أمرض ...
قبل يومين، زارنا برفقة زوجته،
سألته: هل تذكر تلك الليلة التي رميتَ الكرة في الظلمة ثم طلبت مني أن أحضرها لك فقلتُ إحضرها بنفسك؟
قلت لي آنذاك: (أخاف أن أخاف!)
ضحك طويلًا ثم قال:ما أعذبك يا عمي، ذكرتني بطفولتي البريئة.


سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي
الجندي


في منتصف الليل، أيقظه زميله ليحل مكانه،
يداه ليستا بقادرتين أن تمسكا البندقية من شدة البرد؛
فليكن، عليه أن يدفع الثمن، فهو لم يجتز الامتحانات ولم يدخل كلية؛ 
رأى شبحًا يقترب، جميع أعضائه ارتجف،
جهز بندقيته، صوبها... لكنه   ...
لا طاقة له لتحمل عذاب هواجسه ثم تمزيق جسده ...
بعد ثوان ...مرت بقرة على جثته الهامدة.

سعيد مقدم (أبو شروق)

مدينة المحمرة



المدون فلاحيتي
الحرب المفروضة

كان جارنا يجيد لغتنا، يتحلى بصفاتنا الكريمة، ملتزمًا بعادات أجدادنا الحميدة؛

عاد لنا بعد ثمان سنوات:
تصرفاته غريبة، في لهجته عجمة، ابناه الإثنان يتراطنان؛
سجلت للحرب نقطة سلبية أخرى وخبأتها مع أوراقي المبعثرة.


سعيد مقدم (أبو شروق)



المدون فلاحيتي

  علی ماذا تنتحب هذا المساء؟؟!    

 ساهرة الجابري

في ألامس قالوا بأنها ظاهرةُ طبیعیة لاتتعدی حدود اصطدام عدة غیوم ببعض !لکني لم أفهم بصورة واضحة أکانت تلک القطعة من السماء التي تغطي مدینتنا ضیقةُ ولا تتسع لعبور الجمیع؟ لم ما الذي یجري حقا"؟  ألم یقولوا بأن السماء تعج بالملائکة فلما لا تتولی الامر أم إنها لا تتولی مسؤلیات من هذا النوع ؟ و لما تتاثر السماء وتدوي في أذاننا صوت عویل کلما فقدت عابرة ؟!!!



أحیانا"  أشعر بأن الغیوم تعاني من الغباء !!! وإلا لما کانت تری أخواتها تلاقي مصرعها في هذة البقعة ولا تتردد في القدوم....کلا هناک إحتمال آخر...لربما کانت آتیة لتبحث عن أشلاء من افتقدت لیحظی بجثمان یلیق بالعائلة جمیعها!!!!

الأمر یذکرني بجارنا العجوز الذي لم یتذکر بأن من یرحل رغماً عنه لن یعود ابدا" و تذکرت امي التي أتت لتزور قبري لأول مرة بعد أن فقدت وعیها خلف جثماني ولم تستطع أن تری کیف إني انزلت في تلک الوهدة وحیدة وکم  إني کنت أشعر بالضیاع حینها...لم یکن ضیغُ بسبب المکان بل لصوت العویل والنحیب. کان مروع و کنت أتسائل  أمصیري سیئ لدرجة إفتعال کل هذة الضجة ؟؟

کم کنت اتحاشی حضور کل عزاء ولم أزر مقبرة" قط و الیوم أصبحت بیتي الجدید الذي لم أعتد علیه فاقضي الکثیر من الوقت وانا اتفقد خارجه ولمینل عددا" کبیرا" من الزائرین او بالأحری لم یکونوا سوی أشخاص أقل من عدد اصابع جسمي الذي عانقه التراب ولم اعد أتذکر کیف کان علی

الأغلب.

في بدایة الأمر راودني الشک حول إن کانت هي بالفعل لکن ما إن سمعت صوت بکائها زال کل شک....کم تغیرت!! أصبحت نحیلة" ذات وجه مصفرٍ یشع الیأس منه ...مازلت احب صوتها الذي أتذکر من خلاله طفولتي التي ترکتها خلف أحلام عرفت لاحقا" بأن لا یوجد منها شیئُ سوی عناوینها .

تارة تبکي وتارة تردد بعض الآیات التي تجعل لون عینیها غیر واضح. تمسح بیدٍ علی تربتي وتمسح الدمع بأخری. کم کنت اود أن تتذکرني مثل صدیقي الذي مازال یجلب القصائدلیقرأها لي

و بعض السجائر کل حین یشعلها لتخفي معالم وجهه و هو یستمع لبکاء اهل جاري الذي مات من شدة ألمه بعد أن فشل في محاولة انتحاره وهو یرمي بنفسه من اعلی ذلک النهر الذي کان قد قسم المدینة لنصفین سابقا" وأصبح الیوم ملیئ بالقصب ولربما في  الغد مکانا" للتخلص من

النفایات !! یربت علی التربة متصورا" ایاها کتفي وهو یعدني بزیارةٍ اخری.

الغیوم تتحرک و امي تنظر الی السماء وأنا اتابع وجهها الذي تخیّم علیه هالة حزن غیر قابلة للتفسر کل ما حان وقت الرحیل فأستبقتها لأمسک بردائها کعادتي وفشلت رغم محاولاتي الکثیرة .کرهت الظلام منذ إنتقلت الی هنا لأنه بات یعبر عن رحیل کل من اتی ...تبدو خطواتها ابطئ کل

مرة ...تقف علی باب المقبرة وتنظر من بعید...الوح لها واوصیها بشیئ ولا تسمعني !!! لاتنسیني وقولي لها بأن إنتظارها أصبح أصعب من السابق بکثیر .مازلت احتفظ بالکثیر من الجنون لاکلمها حوله.فلتأتي یوما".

یغلق أحدهم البوابة خلفهم و كلٌ یرجع الی مکانه لیبدأ الأنتظار من جدید یرفقه استماع الی تصادم الغیوم و صرخات السماء و مطر ...مطر...مطر!!



المدون فلاحيتي


أب وقصتان قصيرتان جدًا


1

أب
خاطبت أمها وهي تضم دميتها المتهالكة إلى صدرها بقوة:
لقد تم العزاء، وقلتِها بلسانك أن أبي لن يعود ثانية؛
فمن يشتري لي الدمية التي وعدني بها؟!
اليوم عاد أخوها ذو السبعة أعوام متأخرًا من المدرسة ... يحمل حقيبته وعلبة.
 
2
أشجعهم
كان الرئيس متردداً، خائفاً من غضبهم، هل يشنقه أمامهم أم لا؟
ثم قرر ..فقاده الجنود نحو المشنقة .. بملامح منبسطة رفعته الرافعة!
ارتعشت أيديهم .. رجفت قوائمهم!
أشجعهم ...كان الوحيد الذي تهدج بقراءة الفاتحة!
 
3
الدعاء
اليوم وجدت السوق أغلى من أمس، والامتعاض سائد على الوجوه؛
والجميع يدعون بصوت جهوري أن يطول الله بعمر السلطان.
 
 سعيد مقدم (أبو شروق)
مدينة المحمرة


المدون فلاحيتي
تلاميذ الهبــــــاء

وليد مالك ال ناصر

كانت المرة الأولى أدخل فيها المدرسة معلما ً و ليس تلميذا . لم أكن معلما ً لكن أحد أصدقائي كان . كنت قد تعرفت عليه في أول سنة لي في الجامعة . كان صديقي غريب الأطوار  كثير الإنشغال . كان يأتي الجامعة بهيئة و يذهب للمدرسة بأخرى . عند مجيئه الجامعة كان يلبس سروالا ً ضيقاً . ربّما إذا قلت لك ضيقا ً ستقول لي عادي . نعم هذا صحيح أن لبس الملابس الضيقة عاديا ً أو أصبح عاديا ؛ لكن السراويل التي كان يلبسها كانت ضيقة في زمن الملابس الضيقة و غير عادية كذلك . و لهذا كان رفيقي محتاط في المشي نظرا لضيق سرواله و خشية شقه . و مع كل الإحتياط هذا و قبل أن تمرّسنة كاملة من تعرفي عليه قد إنشقّ سرواله مرتين . أنا بنفسي قد رأيت هذين المرتين . لا أدري إن كان سرواله قد إنشق لمرات أخرى أو لا. هذه حال سراويله . أما القمصان التي كان يلبسها كانت غير القمصان التي تعودنا أن نراها . فقماش بعضها كان من النوع النسائي و بعضها كانت تحمل أوسمة عسكرية و بعضها  كانت تحمل معظم الألوان الموجودة في حقيبة الأقلام الخشبية الملونة لدى تلاميذ الصف الأول الأساسي . دعك عن أحذيته ، تسريحة شعره و أشيائه الأخرى و إقرئها من آخرها .

تابع الموضوع



::
المدون فلاحيتي
غربة وقصتان قصيرتان جدًا
1
غربة
كلهم كانوا يحيطون بي: أهلي وجيراني وأقربائي،
لكنني شعرت بغربة قاتلة حين لم يتفهم أحد منهم تتوقي إلى الحرية.
 
2
عقاب
بات يقلب أوراق كتابه يبحث عن الذنب الذي أدى به إلى غياهب السجن؛
وجده ... كان قد اقترفه قبل أربعة عقود، بعد لحظات ... أيقظه السياف.
 
3
رياء
كان يضربها ويهينها كلما أبدت رأياً أو شاركت في حديث، أو همست بعوز.
وعندما مات تباكت بحرقة ... وقلبها رقص
.
سعيد مقدم

مدينة المحمرة




المدون فلاحيتي

 

 

حسين طرفي عليوي

 

 

السمكة الأولى: أنا زهقت، ما جدوى حياتنا هنا، سأذهب لاصطياد الجراد.

السمكة الثانية طفقت قائلة بإعجاب: الجراد؟!

السمكة الأولى: نعم الجراد، ألم تسمعي من الأهل بأن الجراد يتواجد قرب الشاطئ وقت الظهيرة حين تسطع الشمس بقوة.

السمكة الثانية: لكن.

السمكة الأولى: لكن ماذا؟ كوني واثقة بأننا سننجح، رافقينيفحسبوسنصطاد من الجراد بما يكفي.

السمكة الثانية: لكن، كيف بوسعنا أن نجتاز حفرة الموت وأنت تعلمين بأنها ممتلئة بالأسماك الشرسة.

السمكة الأولى: لا تخافي سوف نعبر عن طريق الأعشاب ونتوارى الطحالب فلن تتمكّن الأسماك من مشاهدتنا.

السمكة الثانية: أنا لم آت معك، لأن القروش تمرّ من هناك ولم أجدها فكرة جيدة بأننا نورّط نفسينا بالتهلكة.

السمكة الأولى: تريدين مني أن أقف هنا حتى تأتي الجراد بنفسها إلى هذه الأعماق وسط هذا الظلام؟

السمكة الثاني: أنا سمعت من إحدى السمكات تؤكّد بأن والدها قد حصل على جرادة ميتة وقسّمها على العائلة وتقول بأنها كانت لذيذة جداَ.

السمكة الأولى: أنا لم أعد أطيق أكثر من هذا، الجراد لم يأت إلى هذه الأعماق، نحن من يقود الجراد إلى هنا، ولا تنسي بأن لذة الصيد وهو حي يضاهي الميت بكثير، أنا ذاهبة.

السمكة الثانية: أرجوك لاترحلي، أنت الصديقة الوحيدة لدي، فلا أودّ أن تصابي بمكروه.

السمكة الأولى: اطمئني سأعود بسلام.

بعد أن ودّعت صديقتها، سارت عائمة بحذر نحو الشاطئ، كانت تعوم وقد تركت الخوف وراءها، كم كان محزناَ أن تعيش السمكة بفزع في حفرة مظلمة، خائفة من القروش والأسماك الفتاكة. الأن ما عاد شيء تخاف منه وهي في وسط الخطر. وكأنّ من يدخل جوف الخوف لم يعد يفكر به، بل بغلبته فحسب. لكنها لاتزال تعوم بريبة وحذر شديدين إلى أن اقتربت من حفرة الموت، فوجدت مجموعة كبيرة من الأسماك الضخمة تعوم هناك ومن الصعب اجتياز هذه الحفرة الوسيعة، ولربما يشبه المستحيل، أخذت تفكر وهي متأرجحة بين العدول عن قرارها أو متابعة مسيرها، إلى أن شاهدت قرشاَ آتيا من خلفها يعوم بسرعة، ففي الحال فكرت بأنها تشقّ طريقها مع القرش مجتازة الحفرة، توقّفت قليلاَ ليتقرّب القرش وتكون المسافة مناسبة، ثم أطلقت زعانفها للماء، بسرعة البرق، صوب الأسماك وهي تشاهدها كيف تفتح لها المجال وتهرع فزعة من القرش، لكنّها بحاجة إلى سرعة أكبر لكيلا يصل إليها القرش، فراحت تعوم بأقصى سرعة وهي تمرّ من خلل الأعشاب عابرة أخاديد الصخور الصغيرة وطيّاتها بحركة راقصة ومبتعدة من الأسماك الشرسة.

 خفّفت من سرعتها وهي مرهقة إلى أبعد الحدود، التفتت ورأت القرش منهمكاَ بالتهام واحدة من تلك الأسماك الفتاكة.

تنفسّت الصعداء واستمرّت بالعوم وقد اعترتها سعادة لا حدّ لها، إلى أن شاهدت الضوء من بعيد، فراحت تعوم بحرية، وكأنها نسيت من أجل أي شيء آتية، فكانت سعيدة بانطلاقها سيما وهي تجد نفسها مقبلة نحو الضوء. تقرّبت أكثر ورأت هواجر الشمس كيف تسطع بخيوطها فتلوّن الأعشاب والطحالب بأصباغ كستنائية ساحرة، وقد امتلئت عيناها بألوان زاهية لتزهو وتحسّ كأنها أمست أجمل من السابق بل اعتراها شعور أنها في عالم آخر، عالم غريب ومذهل لا يقاس أبدا مع عالمها المعتم الممتلئ بالكآبة والحزن والسكون.

رفعت رأسها وشاهدت من خلال الماء مجموعة من الحشرات تطير كهلام ملائكي زاه، ثمة حشرات كانت تقفز حافة الماء ولونها يختلف، فدنت إلى صفحة الماء وعرفت الجراد بلونه الرمادي ورائحته الزكية التي تسيّج المياه، راحت تترصّده، لكنّ الجراد لم يقترب إلى الماء كثيراَ، وكأنه لا يعرف العوم، فقالت في قرارة نفسها: إذن كيف وصفه الأهل وقالوا بأنهم اصطادوا الكثير والتهموا منه. حين كانت الأفكار تراودها رأت جرادة تقفز نحو الماء، فما إن أرادت اصطيادها حتى عادت الجرادة مسرعة نحو حافة الماء، فعلمت بأن الجراد بوسعه أن يأتي الماء، فسعدت ولم يفارقها الأمل، وشاهدت الكثير من الجراد يقفز في الماء، لكنها في كل محاولة كانت تفشل فلم تلحق بها، إلى ان غيّرت استراتيجيتها وفكّرت أنها تتراجع إلى الوراء وتصطاد الجرادة قبل أن تلامس الماء.

عادت إلى الخلف وشاهدت جرادة تقفز وهي ساقطة في الماء، ملتمعة أجنحتها بأضواء الشمس الملوّنة، فعامت السمكة بأقصى سرعة، وشقّت صفحة الماء منطلقة في الهواء الطلق وماسكة الجرادة بفمها.

كانت شهية جداَ ولو أنها كانت صغيرة. كررّت خطتها واستطاعت أن تصيد بجراد أكبر غير مصدّقة، ومغتسلة بسرور لا نهاية له.

السمكة الثانية كانت كئيبة لدرجة لا توصف، كم لامت نفسها لماذا لم تصرّ على صديقتها أكثر لتبقى، وظنّت أنها الآن في بطون الأسماك. أخذ الحزن يفتك بها إلى أن شاهدت شيئاَ يتقرّب ببطء نحوها. قالت مع نفسها: يا للعجب! إنها جرادة ممتلئة، و رمادية اللون، مثلما وصفتها الأسماك. ما كانت تحلم بأن ترى جرادة بامتلاء ما تشاهدها الآن، اقتربت إليها فكانت رائحتها شهية، كم أحبّت أن تكون صديقتها الآن هنا وترى بأن الحق كان معها، فالتهمت الجرادة بقضمة واحدة، وإذا بالصنّارة تسحبها بشراسة.

المصدر : موقع بروال



المدون فلاحيتي
المحتضرة وقصتان قصيرتان


1
المحتضرة
عندما حشرجت أنفاسها،
هاتف أقاربه: أمي على وشك الرحيل.
هاتفتهم بعد لحظات وهي ثكلى.
 
2
جريمة
بكى القناع بكاء مريرا على الضحية
 
3
خيال
كنت ارسم مدينة فاضلة على ورقة،
وقبل أن أتم الرسم، طارت شرارة من موقد جارنا فحرقتها.

سعيد مقدم (أبو شروق)
مدينة المحمرة


المدون فلاحيتي
الحسين


 طلقها بثلاث ورحل، ليختار أفضل منها وأبهى؛
وكان ثمن البهية باهظا:
حياة أخيه، أولاده، سبي أخته وعائلته ...ورأسه.

ومن حينها،
أبت الشعلة التي أضرمها أن تهمد،
فما زلت أرى ضياءها كلما رفعت بصري.

ورفض بركان ثورته أن يهدأ،
فكلما أعرته أذنا سمعت دويه.

ودائما ما،
أسمع من داخلي حسيس نار حبه التي لا تخمد.


سعيد مقدم (أبو شروق)


المدون فلاحيتي
کارون (2)

http://s3.picofile.com/file/7993360214/%DA%A9%D8%A7%D8%B1%D9%88%D9%861.jpg

بقلم عماد نواصر

 

این أنتی،بحث فی کل الصور لکن لم یجد لها أثر،أختفائها یثیر جنونه.الدمع علی خده و أنفاسه تتسارع و کأن لم تکن موجودة ابداً.سألنی،لیست لدی أجابه،انا الوحید الذی اتفهمه لأنی الوحید الذی یتذکرها جیداً،ینزل الدمع علی خده مجدداً و تزداد حالته سؤاً.لیس بیدی شیئاً لأقدمه له سوی مراقبته من بعید.یأس من حیاته،لم تعد حیاة بل جحیم.جرحه یؤلمنی،تنزل دموعی مع کل دمهة له لکن لا شیء افعله.

کم هذا مؤلم.ینظر الی باب الغرفة و یعرف انها ستعود یوماً ما لکن بمجرد التفکیر بأختفائها یثیر جنونه و الیأس یبداء بتغطیة افکاره و حینها یبداء ألاضراب عن الأکل و الشرب.کارون ینام،یُفتح باب الغرفة ببطء،ینهض،یرکض بسرعة نحوی الباب و یحتظنها بشدة و تعود البسمة التی تعودت علیها من جدید علی وجهه.یقبلها و یضع یده علی خدها و یطلب منها الّا تترکه من جدید.

 



المدون فلاحيتي
رباعية كارون


مأساة
حاول أن يفك يديه من الأغلال، لكنه لم يستطع!
صرخ، بكى، ضعف هديره، استنجد بأهله!
عجبي .. حتى للأنهار إحساس وميل إلى الحرية والإنطلاق.

النهر
قال: ما الجدوى التي تنتفع بها مني؟
فقد أصبحتُ أجاجا ..وأمسيتُ أحتضر!
قلت: قربك ديمومتي، إن مُتَ، مُتُ.
 
تلبية
هبوا لنجدته، ومن مختلف الأطياف،
سالت دموعه المالحة فرحاً.
 
العزيمة
رأي إمرأة عجوزا طافت السبعين، وطفلة لم تبلغ السنتين،
كلتاهما جاءتا لنجدته! عزم على التدفق، غير مبال بآلياتهم الحافرة!
 تدافعت مياهه نحو الديار. وهنا، زغردت نخلتي.
 
سعيد مقدم (أبو شروق)
المحمرة



المدون فلاحيتي

الشيخ

سعيد مقدم ( أبو شروق )

ضغطت علی المکابح و وقفت السيارة جنبه ... ودعوته ليرکب . کان عمره ثمانين عاماً ... أو أکثر ... أو أقل بقليل ، رکب ببطئ ... و دعا لي بطول العمر و السلامة . و بعد هنيهة ... خاطبني شبه معترض : يقال ان الموسيقي حرام ، يا ولدي !  فخفضت صوتها مراعاة لکبر سنه ، و لم أقل شيئاً .سرنا قليلاً فندم فقال و هو يعيد ترتيب کوفيته : عليها ! ... فرفعت صوتها دون أن اعلق علی شئ . کنت اسمعه يترنم مع الموسيقی و يتابع الکلمات ، لمحته بعد قليل .. .رأيت الدموع تتراکض علی لحيته البيضاء و لم أقل شيئاً . ثم أشار لي انه بلغ مقصده فأوقفت السيارة و ترجل ... ثم انحنی الی  النافذة  و همس بکلمة شکر و ذهب . و بقيت اتأمله ... حتی اختفی في زقاق .





المدون فلاحيتي

في صباح العيد

سعيد مقدم ( ابو شروق)


 في صباح العيد دعاني ماجد ... ذو الثلاث سنوات أن اشاركه لعبة الشطرنج . فهجمت نحو جبهته بما اوتيتُ من قوة . فاقترح أن نتجنب الحرب ونحتفل بأفراح العيد . . . ثم راح يسطر جنوده وجنودي معاً ... والحصانيين معاً .. والفيلين معاً .. والوزيرين والملكين ثم القلعتين ... معاً. وكأنهما قلعة واحدة ... وكأنه وطن عربي واحد ... وكأنها أمة عربية واحدة.





المدون فلاحيتي



الغلاء

سعيد مقدم ( أبو شروق)


وذات يوم أراد أن يشتري مكيفاً إذ لا غنى عنه وطقس ديرته لا يُحتمل من

شدة الارتفاع... أدناه أربعون درجة!

فوجد أفلسه لا تكفي ... تنقص ثمن المكيف مئة الف تومان،

فاتفق وزوجته مع اطفالهما أن يحذفوا بعض الأطعمة لمدة شهر لا اكثر، حتى

يوفروا المئة الف.

ولما ذهب لشراء المكيف بعد الشهر، وجد أفلسه تنقص مئتي الف!

فطلب من زوجته والأطفال أن يشدوا الأحزمة لمدة شهر لا يزيد عليه يوم ،

حتى يوفروا المئتي الف.

ولما ذهب لشراء المكيف مضطرباً ، خائفاً وجد ثمنه وقد زاد خمس مئة الف!!!

وفات الصيف بلا مكيف...وجاء البرد القارس ومر دون دفاية ... والغلاء ما زال

وقحاً ..لا يخجل!

المرسل : سعيد مقدم


المدون فلاحيتي

       اطیاف وروائح

 السيدة ساهره جابري

عندما تَقل الکلمات في الکتاب لنا في منتهی الحکایة قلب نسی ان یزخ  المزید لنعیش.لنا باب موصدلم یطرق .لناعلمٌ لم یرفرف ولنا ارضٌ شابت محاصیلها ولم تحصد.عندنا ملک مات بعد ان فارقته احداهن السریر. هناک طائرٌ یستجدي الشفقه من اطفال یستمتعون  بصراخه وهم  یجردونه مما یکسوه .تفقد الحروف معناها المطلوب عندما یتعلق الامر بوصف دوامة عنف لم تحتضن سوی ایتام تناستهم الایام والارحام. لنا عجوز فارقتها الحیاة منذ دفنت ابتسامتها مع وحیدها الشهید.

کانت لدینا حیاة وباتت لدینا حکایات عن ممات. قبل ان تحزم حقائبها و تنوي زیارة السماء کانت اقحوانیة الروح وفي  التقاء صوتها مع الریح سمفونیات لم یعزفها آخرون و تتمتع بحائط کبیر عنوانه الصبر و هي التي تحصي محاصیل النهر لتبني امل علی جسر التهاوي في الحیاة. عشنا معا" بنفس المبنی السکني اتذکر حین حل  الصباح و وضعوها بجانبي کانت صغیرةٌ جدا علی ان تستطیع ان تعتني بنفسها،صحیح ان العم صالح کان یسقینا الماء کل یوم لکن لم یکن ذلک لیکفي فاخذت علی عاتقي کل مسئولیاتها،احببتها بکل ماتحمل الکلمة من معنی و کنت مساندةٌ لها في کل الظروف و شارکتها الترح قبل الفرح واخلیت لها الطریق من کل المصاعب حتی غدت قادرةٌ علی  سلکه و لم اکن اتصور في یوم من الایام ان یکون مصیرها هذا،لم انوي  ان اقف دون حراک حین کانت في ذلک المازق،فقط لو استطعت ابعادها حین اتی وسام  الی الحدیقه لما کان هذا هو حالها الان،اتی و اخذها  معه دون ان یخیرها بین البقاء و الرحیل و لم یساوره الشک للحظات بانها قد تکون غیر سعیده، اقتلعها من جذورها و وضعها داخل الکتاب المغلف  الازرق لیفاجئ حبیبته اسماء ، ماذا سیکون شعورها عندما تفتحه وتراها،استکون  سعیدهٌ بروئیتها ؟؟!!! یستحیل ان یکون غیر ذلک و لو کان ممکن لما بقیت عیناي شاحبتان علی شرفة النافذه لعل ان یمروا بها واراها.تری این هي الان ؟و ماحالها؟ امازالت داخل الکتاب تلتقط انفاسها بصعوبه ام وضعوها في الماء لتنتعش الاجواء في الغرفه؟ بکلی الحالتین هي تحتضر ولکن ما اتمناه من کل قلبي ان لا تبقی مدفونة في الکتاب الی ان تتلاشی اجزائها بل لیت لو تتشاجر اسماء مع وسام و تقذف بها الی الخارج لکي تعود الی حیث تنتسب و ترقد بسلام!


المصدر : مدونة السيدة ساهره جابري

 



المدون فلاحيتي


الطفل و السلحفاة

يحكى أن أحد الأطفال كان لديه سلحفاة يطعمها ويلعب معها ، وفي إحدى ليال الشتاء الباردة جاء الطفل لسلحفاته العزيزة فوجدها قد دخلت في غلافها الصلب طلبا للدفء .

فحاول أن يخرجها فأبت .. ضربها بالعصا فلم تأبه به .. صرخ فيها فزادت تمنعا .فدخل عليه أبوه وهو غاضب حانق وقال له : ماذا بك يا بني ؟فحكى له مشكلته مع السلحفاة ، فابتسم الأب وقال له دعها وتعال معي .

ثم أشعل الأب المدفئة وجلس بجوارها هو والابن يتحدثون ..وإذ بالسلحفاة تقترب منهم طالبة الدفء .فابتسم الأب لطفله وقال : يا بني الناس كالسلحفاة إن أردتهم أن ينزلوا عند رأيك فأدفئهم بعطفك، ولا تكرههم على فعل ما تريد بعصاك   . 

.وهذه إحدى أسرار الشخصيات الساحرة المؤثرة في الحياة ، فهم يدفعون الناس إلى حبهم وتقديرهم ومن ثم طاعتهم عبر إعطائهم من دفء قلوبهم ومشاعرهم الكثير والكثير .قد تستطيع أن تجبر الحصان أن يذهب للنهر ، لكنك أبدأ لن تستطيع أن تجبره أن يشرب منه .

كذلك البشر ، يمكنك إرهابهم وإخافتهم بسطوة أو مُلك ، لكنك أبدأ لن تستطيع أن تسكن في قلوبهم إلا بدفء مشاعرك ، وصفاء قلبك ، ونقاء روحك  .

قلبك هو المغناطيس الذي يجذب الناس ، فلا تدع بينه وبين قلب من تحب حائلاً .وتذكر أن الناس كالسلحفاة  تبحث عن الدفء حتى الصداقة تحتاج إلى موهبة كي تحافظ عليها.


کاتبها غير معروف


المدون فلاحيتي

ماذا لو يعود الذاهب إلى المدينة

 

وليد مالك ال ناصر

تكرر ذلك الرنح ثانية وسط الليل المتهالك المنقضي على أمره . الرنح الذي يبدو إحتجاجا غير مأهولا ضد هيمنة الأسود الغارق في صمت داكن .يلي الرنح صوت العربات الذاهبة نحو السوق بخطى متثائبة . الأزقة في إستسلام إلى اليقضة في حرب ناعمة . يتكرر الرنح ثالثة و رابعة . إنه العجوز أباعدنان ذات السنين السبعين . نحيف القامة كقصبة نائية . تواطئت السنين على ظهره كثيرا فأحنته قليلا كي لا يكون مختلفا عن أقرانه كثيرا . أقرانه الذين مات العديد منهم و منهم من ينتظر أجله متمللا أو متناسيا أو متشبثا بأيامه التي قد تدوم في أحسن الأحوال الى سنوات قليلات أو من يدري قد تدوم أكثر إذا شاء الله .

عند كل فجر أو قبله بدقائق يفيق أباعدنان و يصلي نافلة لنفسه قبل أن يصدح المؤذن في جامع المحمرة . الجامع الذي يربط ماضي المحمرة بحاضرها . الجامع الذي تهدم لمرات عدة على حساب الأطماع و المعتقدات و الإيديولوجيات و الأفكار و حتى الأوهام ؛لكنه رجع ينفس و يبث الحياة الجديدة عبر مآذنه .

بعد صلاة الصبح ينشغل بإعداد الشاي الصباحي و هو يستمع إلى إذاعة القرآن الكريم التي تبث موجاتها من دولة الكويت . يفتح ريقه بكوب شاي ثم يتناول إفطاره الذي لا يتجاوز ثلمة خبز و قطعة من الجبن أو الزبد أو ملعقة من القيمر .


                                                      تابع الوضوع



::
المدون فلاحيتي